العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٥١و لما كان من الحسن ما كان ، دخل عليه سليمان بن صرد بعدما تمت البيعة لمعاوية ، و انصرف راجعاً إلي الشام ، و كان سليمان هذا غائب عن الكوفة ، و كان سيد أهل العراق و رأسهم ، فقال للحسن : السلام عليك يا مذل المؤمنين ، فقال الحسن : و عليك السلام اجلس لله أبوك ، و كان سليمان منكر لصنيع الحسن ، فلذلك خاطبه بذلك الكلام ، الذي تشف منه البراءة من أعماله .
وقال : إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية – أي لما علمت من [204] حال معاوية مع أبيك ، و أنت الآن تبايعه و الأمل فيك غير ذلك - ، قال : و كيف تبايعه و حولك مئة ألف مقاتل هم معك من أهل العراق … إلى آخر ما قاله و ما حركه به ، و وعده بانفعاله .
و كان سليمان سيداً مطاعاً ، و أيده أيضاً أصحابه بمثل هذا الكلام ، فتعلل بعلل واهية ، و برد حرارته بكلام لين جعله معذرة له ، و حكى حكايات يرويها عن أبيه عن أبيه لا تسمن و لا تغني من جوع ، و لا يرضى بها أدنى الناس ، و ينفر منها أهل الرجال .
كان منها " و أما قولك يا مذل المؤمنين ، فوالله لأن تذل و تعاف أحب إلي من أن تعز و تقتل ، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا و سألنا الله العون على أمره ، و إن صرفه عنها رضينا و سألنا الله أن يبارك في صرفه عنا ، فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته ، ما دام معاوية حياً ، فإن يهلك و نحن و أنتم أحياء سألنا الله العزيمة على رشدنا ، و المعونة على أمرنا ، و أن لا يكلنا إلى أنفسنا " .
هذا كلامه و هو من التراخي لمعاوية و التهاون بحقوق الإسلام بمكان ، فإن الباغي أمر الله بقتاله ، و أن يرد عن بغيه ، و تقطع أجنحة ضلاله ، و أمراس فساده ، أما تسليم الأمر إليه فأمر يحجره الشرع إلا عن عجز ، و لا عجز عنها إذ معه مئة ألف سيف ، و على الأقل أن يترك هو و شأنه ، و لا يكون له سبباً ، فيكون شريكا فيما يفعله الباغي ، و كان الباغي من الذي أمر الله بقتالهم حتى يرجعوا عن بغيهم .