العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦اعلم أَنَّ مَبْدأ الفتنة ومركزها الموطأ في الإسلام لها ، قيام معاوية بن أبي سفيان الذي خرج على الإمام العادل إذ ذاك علي بن أبي طالب ، مُتَذرعاً في ذلك بطلب دم عثمان ، إذ كان في هَمٍّ كبير من إمامة علي بن أبي طالب ، أن يخرجه من الأعمال التي يتلاعب فيها أيام عثمان ، و إن علياًَ سوف يُقْصِيهِ عن تلك الأحوال.
و ليس من همه قتل عثمان ، فإن عثمان حُوصِرَ في داره تلك المدة التي عَلِمَ بها معاوية ، و لم يتحرك معاوية لمناصرة عثمان ، و لم يقم أحد من المسلمين مناصراً لعثمان إذ كان الطالبون لقتله الصحابة كلهم ، و فيهم المهاجرون و الأنصار ، و بقية المسلمين من سائر الأقطار ، فإنهم كانوا بالمدينة المنورة أكثر من مئة ألف رجل يحملون السلاح ، ألا يكفون للدفاع عن عثمان ؟؟.
إنهم و الله ليكفون و زيادة ، و لكنهم كلهم كانوا قاتلين فإن مَنْ كان راضياً كان قاتلاً ، و مَنْ كان معيناً للقتل كان أيضاً قاتلاً ،[211] و من مالئ، أو دَلَّ، أو حَرَّضَ، كان أيضاً قاتلاً ، و بذلك تعلم أن جميع المسلمين الذين هم الحجة في الدِّين قاتلون لعثمان.
و قوله:. " و لم يعبه أحد "، أي لم يعب قتل عثمان، ولا القيام عليه، و حصارهم إيَّاه ، و قتلهم له أحد بعدما قتلوه ، لأن المسلمين كلهم انطبقوا على قتله ، فمنهم القائم عليه جهاراً شاهراً سيفه، و رامياً سهمه ، و منهم المُؤلَّبُ عليه ، و الحَاضُّ علي قتاله ، و منهم الراضي به، الساكت عنه، منتظراً فيه ذلك، حتى قضى الله عليه .
و لا خلاف في هذا ، و من قال بغيره فهو مخادع، غَاشٍ للمسلمين، قادح فيهم ، متهور بما قال ، لأنه لم يُعْقَلْ أن يُحْصَرَ إمام المسلمين ، و لا يعقل أن يقاتل أمير المؤمنين في قلب المدينة المنورة بين ظهراني الصحابة المسلمين، و حول الحرم المقدس بعين الأولياء المتقين ، و بجوار رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - ، إلا أنه جَارٍ عن اتفاق ، و ثابت بالاستحقاق .