العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

و على كل حال ، إذا فَكَّرْتَ في الأمر، رأيت أمراً باهراً ارتكبه الأمير الثالث حتى تغلغل الحنق من قلوب المسلمين ، و تحكم بعدما استحكم حتى أثار حفائظ أهل الإيمان ، و ألهب ضمائرهم ، لأنه لو قتل غَيْلَةً لقائل أن يقول أن عثمان لم يظهر أمره ، و لم تقم عليه حجة شاهرة ، و لم يُعْرَفْ لقاتله مُصَوِّغٌ ، و غير مستنكر قتل كهذا ، فإنه طالما يقع الاغتيال في الأمراء، والملوك، و الزعماء و نحوهم ، فبالأمس قتل عمر بن الخطاب .

إلَّا أن قتل عثمان كان بعد ثورة من المسلمين ، وبعد حصار دام مدة شاع فيها الأمر ، [212] و اتضح السَرُّ ، و بَرَحَ الخفاءُ ، حتى عرف بعدما عرف موجب القتل .

و قد سمعت ما يَعُدُّ على عثمان من الأحداث ، و علمت مراجعة المسلمين له؛ ليرجع عَمَّا كان عليه ، و يلتزم سيرة صاحبيه أبي بكر و عمر بن الخطاب – رحمه الله- ، و أنت خبير أن المسلمين القاتلين لعثمان هم حجة الله في أرضه ، و أهل الغيرة على حُرُمِهِ ، و هم سور الإيمان ، و هم أعمدة الإسلام ، رهبان الليل، أسود النهار ، مات عنهم رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – و هو عنهم راضٍ .

فهل يعقل أن يقع هذا بمرأى منهم و مسمع إلا لسبب أوجب ذلك ، لم يَرَوْا عنه بُدًّا ، فإنهم راجعوه مرات ، و لم تكن منه إلا مواعيد فارغة لا ثمرة لها ، لذلك قاموا عليه من شتى الجهات ، و اجتمع عليه كل من هناك من المسلمين ، و لا مخالف لهم ، و لا ناقم عليهم في ذلك أبداً .

حتى إذا تحرك من معاوية عرق الرئاسة ، و ثار به ثائر الملك و السلطان ، قام يَتَذَّرعُ لمقصده ، و غدا يخادع المسلمين بذلك ، و يتخذ لنفسه حجة يتوصل بها إلى الدخول في ذلك المضيق الخطر ، فبعث الفتنة و هي نائمة ، و أَوْقَدَ نار الشر وهي خامدة ، حتى أشعلها بين المسلمين جحيماً تتلظى ، ليحرق بها ريف العدل ، و لا يبالي في قضى غرضه .

٢٥٧ / ٤٣٨