العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٤و لكن إذا قَدَّرَ الله أمراً في أزله كان ، و في الكُّلِّ حكم لا يهتدي لها إلا الأخصاء ممن فتح الله لهم أبواب الهدى ، فلم نزل المسلمون المدينة المنورة، و رَأَوْا ما رأوا من أمر عثمان ، وتَعَوِّجِهِ، و عناده مراغمة للحقِّ ، لم يروا من الواسع إلا أن يوقفوا عثمان في المحل الذي يرآه القرآن، و يرضى به أهل الإيمان ، لا حيث يحب[218] عثمان ، فهاجموه في داره بعد حصار دام مدة غير مخفية حتى قضوا عليه في حال يرثى له فيها إخوانه ، فتزعزع ذلك الحجر ، و انهار ذلك الصرح ، و انْدَّكَ ذلك الطود الذي حاوله بني أمية ، فتأخر القوم في ظاهر الأمر.
فقدم المسلمون علي بن أبي طالب إمام على الناس على النهج الذي مشى عليه إخوانه ، و رأى صنيعهم في من انحرف عن الحقِّ، و مال عن طريق الصدق ، فكان ذلك درس في ذاكرة كل ذي نهى .
و كان علي راسخ القدم لأهليته للإمامة ، إذ كان عالماً، واعياً، جليلاً، هماماً، مقداماً لا يعرف الذعر ، و لا يرهب الأخطار ، غير مشغوف بحب الدنيا ، و لا مؤثر له ، و لا راكن إليها ، و لم تُعْرَفْ له هفوة في شيء مما يعيب مثله ، إلا تلكئه عن بيعة أبي بكر ، ثم بايع و أبدى للمسلمين العذر ، الذي كان سبب تأخره عن البيعة ، فقبلوا منه .
فَوَلَّوه الأمر ، و ذلك غاية اجتهادهم ، فقام بالأمر قيام ساء آل أمية ، خيب آمالهم ، و أيقنوا أنهم خارجون عن دائرة الأمر و النهي ، و حب الرئاسة يَدْرُسُ لهم أعمال علي بن أبي طالب ، و إنه غير تاركهم لعدم استقامتهم كما يرى الشرع ، بل لهم مآرب دنيا، و هي البلاء المهلك، و الردى الذي لا يَصِحُّ معه دين .