العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

و كان معاوية أدهى الناس ، و من دهائه علمه بعلي بن أبي طالب تمام العلم ، و خبرته الواسعة بأصحابه و أتباعه ، و الذي يحبه ، و الذي يبغضه ، و ممن يؤثر عليه ، و من هذه الوجهة دخل عليه ، إذ دَسَّ له ناساً يحترمهم علي [219] لظواهر أحوالهم ، و لا يعتقد فيهم غير الحقِّ ، و هم أعوان معاوية ، و أعمدة أمره ، و قد ملء روعه بأمانيه ، و غمرهم بآماله ، و رأى النجاح له من هنا .

لقد جعل معاوية بن أبي سفيان الطلب بدم عثمان العصا التي يتوكأ عليها ، فاتحاً بذلك باب الفتنة ، ليقاسم علي بن أبي طالب الملك ، و قد أدخل على أهل الشام جهيزة دم عثمان ، و أنه قتل مظلوماً ، و أن القاتلين باغون عليه ، و أن لو كان معاوية المذكور موجوداً بالمدينة لما قَدَرَ أحدٌ أن يفعل في عثمان ، و أنه هو المسئول عن دماء بني أمية ، و السائل فيها ، لكونه ابن السيد أبي سفيان الذي جعل الرسول – عليه الصلاة والسلام – الأمان لمن دخل داره يوم الفتح ، إذ كان رجلاً فخوراً ، فأخبر رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – عن ذلك فجعلها مزية له ، و إلى ذلك يشير القائل :

في فَتْحِ مَكَّةَ صَارَتْ دارُهُ حَرَماً قَدْ أَمَّنَ اللهُ بَعْدَ البَيْتِ غاشِيَها

و أَنَّ معاوية يرى نفسه بتلك المنزلة ، و أدخل على قلوب الشاميين ما تملكها به بدهائه ، و ما كان ينفقه عليهم من الأموال ، و المال فَعَّال قوي في قلوب السواد الأعظم الساذج ، فإن إدراك الحقَّ لا يقدر عليه كل أحد ، و بذلك خرج في مجامعهم يطوف عليهم بسربال عثمان ، ملطخاً بالدم ، ممزقاً بالضرب ، و هو يبكي عليه بكاء الثكالى ، كما قال العلامة أبو مسلم - رحمه الله[220]تعالى(1) - :

يَنُوحُ فِي الشَّامِ ثَكْلَى نَاشِراً لَهُمْ قَمِيصَ عُثْمَانَ نَوْحَ الوَرَقِ بالسَّحَرِ

حَتَّى إِذَا لَفَّ أَوْلَاهَا بآخِرِهَا بِشُبْعَةٍٍ ما تُغَطِّي نَقْرَةَ الظفَرِ

(1) ديوان أبي مسلم ص36 وقد تقدم تخريجه

٢٦٥ / ٤٣٨