العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

و المقصود من هذا أن الإباضية هم الذين يثبتون على الحقِّ حين يحتار غيرهم و يتحير ، و تلين قناته للباطل ، و على الهوى المروي يعتمد ، و عن النهج الحقِّ يتغير ، أما الإباضية فينزلون كل أحد منزلته من الدِّين ، و يتبرأون مِمَّنْ يخالف نَهْجَ المسلمين ، فهم لا يحابون لأجل دنيا ، و لا يخضعون لأهل الضلال ، إلا ريثما يرون لوائح النصر فسرعان ما يترامون على أبوابها ، و ليس لهم في عثمان ضغن أو في غيره من الناس ما وجدوا الدِّين جاري في مجاريه ، و أحكام المسلمين على الصغير و الكبير لا تداريه و لا تجاريه ، و للحقِّ أهل كما للباطل كذلك ، فلذلك ترى الإباضية يتحاملون على من حَادَ عن الحقِّ مهما كان .[222]

واعلم أن معاوية بن أبي سفيان جعل الطلب بدم عثمان السُّلَمَ الذي يعرج عليه إلى إثارة الفتنة ، و شَقَّ العصا بين المسلمين ، ذلك لأن معاوية يعلم أن المسلمين اشتركوا في قتل عثمان ، وعليه فهيهات الثأر لعثمان و قاتله المسلمون معاً ، و علي بن أبي طالب من جملتهم ، و هو إمامهم ، و بهذا لا يحصل انقياد القاتلين لعثمان ، فيكون سبباً لفتح باب الفتنة ، ذلك لأن معاوية يطلب بدم عثمان ، و علي لا يعترف له بدم ؛ لأن عثمان قتله المسلمون حين رأوه استوجب القتل ، فأين الطلب بدمه ؟!.

و لو كان مثلاً قتل مظلوماً لكان دمه للإمام ، و هو الذي يقوم بطلب القاتل شكا معاوية أو سكت ، فمال لمعاوية يقوم طالباً حقا ليس له !!، و يعلم أنه لا يجده ، لكنه قام ليفتح باباً يدخل منه للخلاف ، و هو الدَّاهية الكبرى .

و بذلك كانت بين المسلمين الموقعة العظمى التي لا يكاد التاريخ يحفظ لنا مثلها ، و هي في صفين سنة سبع و ثلاثين للهجرة ، و فيها قتل عمار بن ياسر – رضي الله عنه – الذي قال فيه رسول الله – صلى الله عليه و سلم –:. " تَقْتُلَكَ الفِئْةُ البَاغِيَةُ "(1)، فقتل في جيش علي بن أبي طالب بصفين ، و قاتله معاوية و جنوده .

(1) تقدم تخريجه

٢٦٨ / ٤٣٨