العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٧فكان هذا القيام جهاداً لهم ، و قياماً بحقوق الدين ، و فرضاً مشروعاً على عباده المؤمنين بقوله -عزَّ وعلا -: " فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ "(1) مع أَنَّا لا نعتدي على أحد ، و لا نخُصُّ أحداً بعينه ، بل نقول القيام على أهل الفساد واجب ، و الرد على أهل الباطل كذلك ، و فتح أبواب الحق لمَنْ أراد الله هدايته جهاد ، وعلى الأقل رد قول أهل الباطل عليهم لم يكن جوراً ،و لا بغياً ، و لا تعرُّضاً لما لا يعني ، بل تعرُّض لما يعني ، وجزاء سيئة سيئة مثلُها ، و إن كانت الثانية غير سيئة .
و السكوت عن الطعن في الحق من أكبر الكبائر، لا يقال إذا لم يقبل فأولى السكوت ، بل نقول يجب القيام ، و لو لم يقبل ، إذ من المعلوم أَنَّ المُبْطِلَ لا يقبل إلا الباطل ، و الضَّال لا يرضى إلا الضلال ، و لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - : " إِذَا ظَهَرَت البِدَعُ فَعَلَى العَالمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ ، و إنْ لم يَفْعَلْ فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ و الملائكة والنَّاس أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَل ُ الله منه صَرْفاً و لا عَدْلاً "(2) ، و أراد تعالى من المسلمين الجهاد في الدين ، و أي جهاد أعظم من الذَّبِّ عن الدين .
(1) البقرة : 194 .
(2) ذكره بنحوه صاحب كنز العمال في ( 1 / رقم 903 ) بلفظ (( إذا ظهرت البدع و لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فلينشره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد )) و قال رواه ابن عساكر عن معاذ . و رواه جابر بن زيد مرسلا في زيادات الجامع ، الجامع الصحيح ص365 ، رقم 943 .