العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٨و أراد – صلى الله عليه و سلم - بقوله " فليظهر علمه " أي يقول الحق في وجه أهل الباطل ، و لا يخفى أنَّ كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند الله أفضل الجهاد بالإجماع ، فالسكوت عن أهل الباطل يطغيهم ، و يجرئهم على أهل الحق [22] ، قال الله في محكم كتابه العزيز " وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ "(1) فلم يتركنا عز و جل نسمع [منهم](2) القدح منهم ، و الطعن ، و نسكت عنهم .
و لو رأى الله – عز و جل- ذلك أولى بنا ، لأرشدنا إليه ، بل أَمَرَنا بقتالهم ، و القيام في وجوههم ، فإنَّ السكوت عنهم - و الحال هذا - فذلك رضى مِنَّا بما يقولون ، أو إهانة لدين الله - عز وعلا - بما يزَوَّرُون ، ولكنَّ الله كَلَّفنا قتالهم ، و ذلك أشدَّ ما يخشاه المسلم ، و على الأقل إن سكوتنا عنهم يعد جبناً مِنَّا ، و ذلك لا يحل ، و لكنَّ أمر الله فوق كل أمر ، و أعلا كل شيء ، و قد كلفنا الله المشاق ، و ابتلانا بكل شاق اختباراً منه لنا ، و هو بنا أخبر .
و قولهم إنَّ من السياسة السكوت عنهم ، نقول لا سياسة هنا ؛ فإنَّ هَتْكَ حُرْمَة الدين بالطعن فيه ، و القدح في أهله من أعظم الذنوب ، و قد أمر الله نبيه أن يُهَاجِرَ بلاده ، و وطنه ، و يعادي إخوانه ، و بني جلدته ، في رضى ربه عز و جل ، و ألزم التبليغ حلواً أو مراً : " وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ "(3) و العيش في الدنيا ، و النظر في الأخرى ؛ فإنها المرجع للأمانة ، و المقام الأبَدِيّ الذي لا يتغير ، فبئس بعيشٍ ينقضى قريباً ، وتطول أزمته مع الله ، نسأل الله غفرانه و توفيقه لمرضاته .
(1) التوبة : 12 .
(2) كذا في الأصل ، و هي زائدة لا معنى لها .
(3) المائدة : 67 .