العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤فكانت[226] تلك الحالة ضربة قاسية لعلي بن أبي طالب الإمام ، الذي يروم معاوية ابتزاز الأمر منه ، و الاستيلاء عليه ، و علي بمعزل عن مقاصد معاوية ، و لكنه مغلوب عليه، مممكور به في الباطن ، قد انْحَلَّ أساس أمره ، و انهار صرح إمارته ، أولاً من جهة اختلاف أمته و أهل طاعته ، و خروج رجال الإيمان عن زعامته ، وهذه أكبر خسارة على علي الإمام ، و الثانية فسح المجال لمعاوية لإعادة قوة متوفرة يضرب بها خصمه ، و كلاهما من أكبر مصالح الداهية الأموي ، و علي مصمم على أن الأمر في يده ، و أَنَّ النَّصْرَ حليفه ، و كَأنَّه لم يكن شيءٌ يخشاه ، يرى شجاعته الهاشمية ، و قوته الإيمانية ، و عزيمته المعروفة ينمحي بهن كل ما يبنيه معاوية و أحزابه ، و لا يرى أن للسياسة فِعْلاً فوق القياس .
و كان الأشعث الخبيث متحكم على حركة علي وقوته الحربية ، المبتلي به علي بن أبي طالب و جيشه ، فكانت الأمور بيده ، و الحركات رهن إشارته ، و هو ضالٌ فاسقٌ مارقٌ من الدِّين، لا همة له إلا إرضاء معاوية و آل معاوية ، و نبذ رأي المخلصين في التحكيم الذين يؤلمهم الأمر ، و يهمهم وقوعه مهما كان ، و بكاء الثواكل في الكوفة على القتلى في كل بيت عويل ، و في كل مقام ضجيج ، و في كل بقعة عجيج .
كل هذه الأشياء مما يؤثر على علي بن أبي طالب و يؤلمه ، و أضف إلى ذلك شماتة الأمويين في الكوفة ، إذ مَرَّ عليٌ عليهم، و هم يقولون:. " ما فعل علي بن أبي طالب شيئاً ذهب ثم انصرف "(1) .
(1) تاريخ الطبري (3/108)