العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧و بعد ذلك أشيع عليهم أنهم خوارجٌ ضُلَّالٌ فُسَّاقٌ ، ليتستر قاتلهم بذلك ، و عند الله ينكشف المستور ، و تتضح الجناية على جانيها ، و تظهر حقائق الأمور ، و ما خَفِيَ على الخلق لا يخفى على الله الذي يعلم ما في الصدور .
فَبَدَلَ أن يقام على الباغي الذي يشهد النص ببغيه يقام على أولياء الله الذين فارقوا أولادهم و أهلهم فَارِّين بدينهم ، يبيتون على المحاريب يرتلون القرآن ، إذا سمع أحدهم بذكر الجنة كاد أن يطير شوقاً إليها ، و إِذَا سَمِعَ بذكر النار كاد أن يذوب لذكرها ، و تتقطع أنفاسه خوفاً منها ، أَكَلَتْ الأرضُ جباههم من طول السجود ، و تقرحت ركبهم من كثرة الركوع و السجود ، كأن الجنة لم تخلق إلا لهم فتجردوا لها ، و كأن النار موعدهم و ليس لها إلا من يكون كذلك أبداً ، و إذا بإخوانهم الذين تلاقوا هم و إِيَّاهم على حرب عدوهم ، و هم تحت راية إمامهم يحملون عليهم السيوف في مواعيد لقاء بينهم ، تكتب عليها سطور الود و الصفا ، و هو على الحقيقة عنوان البغي و الجفاء .
إنها و أيم الله لمما يأسف له ، و لكن المقدر بحكمة الحكيم لا بُدَّ من انفعاله ، ولما قضي الأمر انتشر الخذلان ، و أظلم وجه الحقِّ ،[230] و عَمِيَ طريقه ، و انْهَدَّ رُكْنُ الإسلام ، و اشْتَدَّ على أهله ضيقه ، حتى قام من يقتل الإمام انتقاماً ، و تَجَرَّدَ له مَنْ حمله الغضب و رآه لزاماً لتتم المكيدة ، و ينتصر البغي ، فيدوس وجه الحقِّ، و يصفوا الجو لمعاوية و أتباعه ، و يقوم الملك العضوض على جثث هداة الدِّين و قادة المؤمنين .