العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨و قد قام المسلمون على إمامهم على بن أبي طالب يناشدونه الرجوع عن التحكيم ، و أنه باطل لا يَصِحَّ ، و الرجوع فيه لا يُخِلَّ بشيء من أمر الدِّين على القول بصحته ، و نبذ العهد وردت به الأدلة ، و الرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل ، و الأولى تدارك الأمر قبل استفحال الخطب، و تعاظم الخطر ، و هؤلاء القائمون هم خيار الصحابة، و أعيان التابعين لهم بإحسان ، فلم يكن من ذلك شيء حتى اغتنم الملكيون الفرصة ، و زَوَّقُوا أكاذيب لهم، رَوَّجُوا بها لهم سوق رغبتهم في إذلال الحقِّ ، و تأييد الباطل .
حتى جاء المؤرخون الذين هم صنيعة الملوك ، و أتباع الشهوات يكتبون الأكاذيب ، و الأغراض الفاسدة ، و يزخرفون لهم زخارف تمشي بهم في بقاع الباطل ، و قد ضربوا بدينهم عرض الحائط .
حتى انحاز المؤمنون كلهم من جيش علي بن أبي طالب وضربوا معسكرهم إذ ذاك بالنهروان ، معلنين استياءهم من تلك الأعمال التي وقعت لهم في بيئة إمامهم البطل المغوار ، و سيدهم صاحب ذي الفقار ، الذي ما زال طيلة تلك المدة، وهو مفتاح مغالق تلك الدماء ،[231] و مصباح مظاهر الأرواح ، و بانحيازهم عنه قام النشاط البارز لمعاوية وأصحابه ، و رأوا أن المكيدة تم انفعالها ، و أمور علي آن انحلالها ، و سرجه عصفت بها الرياح الزعازع ، و لا بد أن تطفئها ، وفعلاً كان ذلك كما قصه التاريخ العام ، و ذكره أيضا ذلك البطل الجليل المؤرخ المغربي الذي يعطي الحقائق حقها ، و يمنح الواقع نصيبه من الصدق و الوفاء.
فساق ما دار في القضية من احتجاج ، و ما لَزَقَ بها من لجاج ، و ما اختص برجالها من اعوجاج ، و ما عليه المنحازون من ابتهاج ، و الحقُّ أَحَقُّ بالاتباع ، و الباطل أولى بالاتضاع ، فذكر الحق أشبه بنجوم السماء ، و وضع الحائق في سلكها جواهر متلألئة تلألئ الجواهر في حسنها .