العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٩ولمَّا استهان المسلمون بدينهم أصيبوا ، و كان الله قد عَهِدَ إليهم أنَّه لينصرنهم ما كانوا على نصر دينه ، و بخذلانهم له ، و عدم القيام بحقوقه ، استحال الحال ، و تبَدَّل الوضع ، و داس هامةَ الحقِّ أهلُ الباطل .
و كان المسلمون الواحد منهم ير(1)هبه الجيل الكبير ، و مَنْ يَرْضَى غير الحقِّ يَرْضَى بباطل ، و ذلك أمر ترتضيه الأسافل ، [23] فقد كان السلف يتألمون لكلمة يسمعونها ، و لخطة يفهمونها ، يقومون لها ، و يقعدون من أجلها ، مضى الناس إذ لم يبق إلا النَسانِس، فكل مَنْ سمع القدح في الحق و أهله ،تَعَيَّن عليه الكفاح عنه ، و الرَّدَ له ، و إلا خِيْفَ عليه عند الله سوء العاقبة - نعوذ بالله من ذلك - .
و قد ذكر القطب - رضي الله عنه - في " الهميان " تحقيق المقام ، و بَيَّنَ فيه كُلُّ لِزَامٍ ، و جاء في الحديث النبوي المنصوص المتكرر في رد كل باطل يصادفه المسلمون جماعات و أفراداً .
فإنَّ الإسلام يعتبر كل فرد من أفراد رجاله جندياً يناضل عنه حد طاقته قبل أن يجتمع بجماعته ؛ فإنَّ رجال الإسلام جنود الله ، خلقهم لإعزاز الدين ، و إكرام مثواه ، فإذا لم يفعلوا فالويل لهم .
و لا يقال إنَّ النَّضال لا باللسان بل بالسنان ، لأنَّا نقول إن اللسان هي أول دائرة رَحَى الحرب ، و هي قُطْبُ مَدَارِ الجهاد ، و إنَّ الحرب أولها كلام ، و إنَّ النار أولها الشرار ، و هي بالعودين تذكى ، فمَنْ أفاد الكلام فيه لا يصح أن يحمل عليه بالحسام ، و مَنْ لم يفد فيه الكلام ، فقد استدعى لنفسه ملاقاة الحِمَام ، على هذا عاش المسلمون ، و يعيشون إن شاءوا أن يعيشوا مسلمين .
(1) النسانس قيل هم يأجوج و مأجوج ، و قيل هم قوم من بني آدم ، أو خلق على صورة الناس و خالفوهم في أشياء و ليسوا منهم ( القاموس المحيط / 744 ) ، و المعنى المراد هو الأخير حسب ما يظهر .