العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٣

و كان الإمام علي بن أبي طالب قد عَزَمَ الكرة على معاوية بعد اجتماع الحكمين ، و تجديد أصحابه البيعة له ، و إن كانت أجنحته قد قُصَّتْ ، و قواه قد ضَعُفَتْ ، و نفوذه في العراق لم يعد كما كانت في حرب صفين الأولى ، فبذل كل جهده فجمع جُنْداً فسار بهم إلى الشام ؛ لكن لم يكن هذا المسير من النوع المسير الأول ، حيث قد أثر في النفوس ذلك التحكيم السيئ الذي قام به أولئك الذين هم صنيعة معاوية ، وكان علي أراد أن يضرب الضربة الثانية تقوى الشام التي ما زالت تؤيد معاوية جار أم عدل ،"و كان ذلك في سنة 37 للهجرة .

و كان الأشعث بن قيس ورؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية وأتباعهم يخذلون الناس عن علي ، و كان ما وقع له من جرأة العامة عليه و قَبُوله التحكيم ، و استلاب معاوية النصر من يَدِّهِ في معركة صفين ، و مفارقة خاصته له ممن بايع عبدالله بن وهب الراسبي ، و ما يعلمونه من عدم استطاعة الإمام أن يقف في وجه معاوية لكثرة أنصاره، و حُنكة دهائه، و قوته، و صرامته"(1) .

و كان المقصود من طلب التحكيم فَكُّ تلك الأزمة التي كادت أن تَحِيقَ بمعاوية و جيشه ، و كاد أن يضع معاوية رجله في الركاب ، و على كل حال إنه يتوقع من علي بن أبي طالب مثلها أو أشد .

ومن البديهي أن يعتد لها معاوية عدته الكافية من المال ، و الرجال ، و السلاح، و الدهاء ، و المكر ، و اختداع الأغمار من [236] الناس ، فإنه قد رأى، و سمع ، و أعطته أيام صفين دروساً كافية ، لا سيما و هو يحاول الملك .

"و كان هذا كله قد أضعف نفوذ الإمام في العراق ، فتثاقل الناس عن السير معه لحرب معاوية ، فوجد صعوبة في الحصول على العدد الكافي للحرب التي سيخوضها ، فالتجأ إلى تجنيد العبيد و العامة التي لا تناصره عن حماس و دين و محبة .

(1) تاريخ المغرب الكبير (2/ 353-355)

٢٨٣ / ٤٣٨