العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٧

و على كل حال إن ابن عباس ألقى ما عنده لعلي في القضية ، و رأى وسمع ، و للرجل أفكار تدرك الحواس في الملأ الأعلى ، فتأخر عن الخروج مع الإمام ، و ترك الإمام ليعمل عمليته بنفسه ، و سيرى ما يكون من الأمر ، و سيعلم علي عاقبة الأمر الذي حذره إِيَّاه إخوانه ، و لم يُصْغْ إليهم ، و كان يعتقد أنَّ النَّاس كلهم يُحِبُونَهُ ، و أنه ناجحٌ لا محالة ، و رأى ابن عباس الشؤم في جيش الإمام ، و عدم ثقته باستطاعة الإمام أن يصل إلى معاوية ، ويحاربه ، و ينجح. معه في حربه إذا وصل إليه ، لما يعرف من الخفايا في جيش الإمام ، و من سوء طوايا أكثر رؤساء القبائل الذين ساروا معه .

و لا يمكن أن يكون هو الذي استبقاه لأنه لو تركه في الكوفة عاصمته لقيل أنه آثره لحفظها ، و تركه وراءه كفئة وردء له و لقومه في حالة غيبته عنها ، و خلافته عنه فيها لتسيير الأمور من وراءه ، و حفظ العاصمة من كَيْد عدوه ، و لكنه بقى في البصرة و لا أهمية لها بالنسبة للكوفة ، و لم يغادر ابن عباس إلى الكوفة ، فرأى الناس لوائح الخلل ، و لم ينتقل إلى الأماكن التي يكثر فيها سواد أنصار معاوية الذين يمكن أن يثوروا على الإمام فيضربوه من خلفه(1) .

" فخرج الإمام علي في هذا الجيش الذي كان معظم [240] رجاله المقاتلة الذين أدركوا القتال و عبدان عشيرته ، و هو مُعْتمَِدٌ عليهم، و مواليهم ، و هم ذوو النفوذ في جنده ، و هم صنائع معاوية ، الذين عزموا على الكيد للإمام، في صَرْفِهِ بكل وسيلة عن السير إلى الشام ، و تسليطه على عبدالله بن وهب الراسبي ، فتكونوا له في العراق دولة ، و في المسلمين صولة ، و يكون أحد الأعداء لمعاوية بن أبي سفيان ، فإنه يستعد ليسير إليه بكل ما أوتيه من قوة يستطيع أن يقضي بها على الملكية ، و يهيض بها جناح الإمام بالقضاء على خاصته .

(1) انظر تاريخ المغرب الكبير ( 2/ 356)

٢٨٧ / ٤٣٨