العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٩

وقد أَبَى الإمام عليهم ذلك ، و كَرِهَ السير إليهم ، و قال : " اتركوهم " رجاء أن يتغير رأيهم فيه فيرجعوا إليه سيما بعد أن ينتصر على معاوية و يقضي عليه ، وتبرد حرارة قلوب هؤلاء فَيَسْتَرُدُّ بذلك الإمام ما فقده في جولاته الماضية ، و رأى الإمام أن عدوه هو معاوية و حزبه أنصار المَلكية المستبدة ، و أن عبدالله بن وهب الراسبي و صحبه لا يضرونه بشيء إذ كل أنشودتهم تأييد الدين ، و رد الباغي عن بغيه ، إذ هم على مذهب الإمام في سيرهم و سراهم ، محافظين على الواجب الشرعي ، و على التمسك بحبل الدين .

إما أن ينتصر على معاوية فتظهر كفاءته ، و يسترد صَيْتَهُ فيرجعوا إليه ، أو يكونوا هم أكثر كفاءة و أغزر جمعا ليمل الجمهور إليهم فيرجع هو إليهم، فيكونوا يَدَّاً واحدة ، هذا هو رأي الإمام علي في أصحاب النهروان ، فما كان ليعاديهم [242] و يقاتلهم على اعتزالهم له ؛ لأنَّ بيعته قد زَالَتْ عن أعناقهم ، و هو أعلم القوم بالحكم فيها ، لا يرضى أن يؤاخذ إخوانه الذين نصحوه بالأمس عنها ، و خرجوا اليوم عنه غير ماسين بشيء من حقوقه(1) .

و إن الذين نسبوا إليه قتلهم ما أراهم أدركوا فصل القضية إلا من حيث الإجمال لما كان هو الإمام ، وكان القاتلون أركان حربه ، ومن لهم أنه أمر بقتلهم ، و أقرب الأحوال منه في تحقيق هذا القضية أن الإمام خرج مخدوعاً لقتال القوم بالشبهة متوصلاً به إلى الغرض المنويِّ ، و على كل حال إِنَّ بوادر الجيش هي التي بدأت بالقتال متظاهرة له بأن القوم بدأوهم بالقتال ، و هم على كل حال إنما أخرجهم إلى النهروان التباعد عن ضوضاء أعدائهم الذين حملوا الإمام على قبول التحكيم ليفكوا معاوية من الأزمة التي وقع فيها حين رأوا طلائع الهزيمة تقرب منهم .

(1) تاريخ المغرب الكبير (2/ 357_ 358) نقله المؤلف بشيء من التصرف.

٢٨٩ / ٤٣٨