العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣وهذا شأنهم في كل زمان ، و لقد خَدَمَ النَّاسُ معاويةَ ، و جللوه و أعزوه ، و قدروه خصوصا الذين لا يرون الخروج على الأمير و إن جار ، فإنهم يتهافتون على خدمته ، ويعتقدونها طاعة لله ، و الله بريء من الظلمة و أعوانهم ، و لكن أهل الدنيا و السطحيون لا يرون إلا ظواهر الأمور ، و يكتفون بقشورها ، و لا يبالون بما وراء ذلك لا سيما الذين يرون أَنَّ الإسلام قولٌ ، أو قولٌ واعتقادٌ ، و هم السواد الأعظم في الإسلام ، متعلقين بأدلة واهية ، لا تفيدهم في الدِّين زنة جناح بعوضة .
و لم يَنْبُهْ ذِكْرُ النهروانيين في العالم الإسلامي حيث إن المغرضين أتباع الدرهم و الدينار ، و أسارى الهوى الظالم ، و عبدة الدنيا قضوا عليهم بين عشية وضحاها بطراً و طغياناً ، وقضوا على ذكرهم أيضا حيث استعملوا المأجورين أتباع المَلكية ، و أنصار الزعامة المتمردة ، بأن يلصقوا بهم كل سيئة ويضيفوا إليهم كل سوءة ، و ما زالوا يسلخونهم من كل حسن ، و لا يذكونهم إلا بسيئ الأعمال ، و أن يصفوهم[246] بأنهم خوارج ، و لا يُفْهِمُونَ السَّوَاد معنى الخوارج ، و إنما يسوقون ذلك مساق السَّبِّ، و الطَّعْنِ، والشَّتْمِ ، و يطنطنون عنهم أنهم خرجوا عن الإمام علي ، ويضيفون إليهم أنهم حاربوا المسلمين ، و كل ذلك دعايات فارغة مغرضة تبعثها السياسة الأموية لتبرر لها موقفاً صالحاً في الإسلام باللسان ، كما قَرَّرَتْ لَعْنَ علي بن أبي طالب في المجامع ، و محاضر الناس لِتَشْوِّهَ مِنْ سمعته ، و تأخذ المعنى الصالح لها قولاً لا فعلاً ، و نسبوا إلى النهروانيين الفحش في الدين ، دفعاً لعواطف النَّاس ، و قطعاً لكل ما عن شأنه الرحمة لهم ، لا سيما أن المغلوب تنسى حسناته ، و تضاف إليه كل سوءة و سيئة طبعاً ، لا سيما المأجورين لأهل الأغراض ، و الغالون في حب علي بن أبي طالب ، على غير الطريق الصحيح الذي أمروا بسلوكه.