العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦و لمَّا قَرَّرَ الحكمان خلع علي، أَقَرَّ أحدهما إمامة معاوية ، فَسَبَّهُ صاحبه، و أجابه أيضاً بمثل سَبِّه ، و تشاترا وتلاعنا .
و أنت لا يخفى عليك المقصود من وضع الحكمين إلَّا فَكَّ معاوية وحزبه مما وقعا فيه ، فيتفرغا لتأييد أغراضهما ، و استمالة الناس بدهائهما ، و نشر السوء فيمن هم أتباع الإمام و أنصاره ، فعملت الدسائس عملها.
و عمل العاملون رغبة الزعماء ، فَدَوَّنُوا لهم ما شاءوا أَن يَدَوِّنُوا فبذلك انتشرت الدعايات الكاذبة ، و نشأة الناشئة عليها ، و رأت سيء الأقوال فيها ، وخبيث الأعمال لديها ، فرفضت حديث القوم ، و نودي في المجامع بضلال النهروانيين في أقوالهم و أفعالهم ، و صَدَّتْ بوجوهها عنهم ، و لُمِزَتْ جانبهم في صدقهم و صفائهم ، و ظلمتهم حقوقهم إلا ما شاء الله من النَّاس الذين تسمح لهم الأيام بتأييد الحقِّ ، و تساعدهم الظروف بنشر العدل الصحيح، والصدق الصريح في البغيض والحبيب ، و هم قليلون بالنسبة إلى أولئك المشوهين الذين لا يبالون بما يقولون ، أو يأخذون الأخبار عن أهل الأكاذيب [249] المغرضة ، فينشرونها في العالم .
ولكن لا بُدَّ للحقِّ من ظهور ، و لا بُدَّ للكذب من افتضاح ، و لا بد من تهور الجور وانهياره ، و الثابت على الحقِّ كالقابض على الجمر .
و القائل بالحقِّ في تلك الأيام تكاد منزلته أن تعادل المنازل العالية ، لأن منهم من قتل ، و منهم من جلد على الكلمة الواحدة ، و منهم من حُبِسَ عليها وعوقب شر عقاب .
و لا يخفى أَنَّ الحقَّ عند أكثر الناس صعب قَبُوله ، مُرُّ ذوقه ، و إن أهله قليلون في كل زمان ، لأن الله- عَزَّ وعلا- لم يبعث الحقَّ في الناس ، و لم يقم أهله إلا حجة على الناس ، و لإقامة الحق عند الله عهد مؤقت لا يزيد عن وقته ، فانظر في أيام الرسول – عليه الصلاة والسلام - ، بل و أيام المرسلين قبله ، تجد أهل الحق فيها هم الأقلون ، و أهل الباطل هم الأكثرون .