العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠و لما سَمِعَ القائد الأكبر الأشعث بن قيس و أتباعه كلام الإمام علي ، و أنه يُعْرِضُ عن تلك العصابة ، و يأمر بالمسير إلى قتال الذين يريدون أن يكونوا جبارين ، أثاروا العامة على الإمام ، فما زالوا به يطالبونه بالسير إلى أهل النهروان ، و تشعره عيونهم المُحَمَّرة عليه بالتهديد ، و يُلِوْحُون له بالثورة عليه ، حتى أَرَّغَمُوه على السير إلى النهروان ، فقصد عبدالله بن وهب و أصحابه لا على نية القتال كما أراد القوم ، بل على نية [252] استمالتهم إليه ، و اجتذابهم إلى صفوفه ، لا على نية مقاتلتهم ، و القضاء عليهم ، فإنهم لم يقترفوا ما يستحقون به القتال ، و لكن علي أهمه خروجهم عنه ، وقد بايعوا لهم إماماً ، و لا شك أنهم إذا لم يقفوا معه بوجه مرضي سيقاتلونه ، لأنه لا إمامتين في حوزة واحدة ، و هناك الهم الأكبر و هو حرب معاوية .
و أَمَّا جنود علي المغرضون يريدون فقط نفس القصد إلى النهروان ، فإنهم إذا وصلوا ملكوا و بلغوا مرادهم ، فكان هذا غاية القصد ، فإنهم لما وصلوا وقع القتال ، و اشتبك الناس فيه ، ولعله لا يعرف عليٌ المعتدي فيه و المبتدي به ، فماذا يقول ، و لا شَكَّ أن الجيوش معروفه ، فإذا قالوا لإمامهم بدأونا بالقتال ، أو ما شعرنا إلا و الناس يقتتلون ، فماذا يقول الإمام ، وفي ذلك له عذر ، و ماذا يكون من أمر أربعة آلاف رجل آمنين مطمئنين يفيض عليهم بحر من رجال يبلغون سبعين ألفاً و زيادة ، فما كان إلا القضاء عليهم في لحظة ، فرحمهم الله و رضي عنهم .
علي و أهل النهروان يتفاوضون