العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣فذهب إليهم و فاوضهم فيما هم بصدده ، و طال بينهم و إيَّاه الحديث ، فأقنعوه لكون حجتهم واضحة ، و قضيتهم مسلمة ، فرجع إلى الإمام و أخبره عما جرى بينهم من حديث فيما هو بصدده ، فرده الإمام إليهم ثانية، فتداولوا الحديث ، و إذا بهم و هم مصرون على الحقِّ ، لا يتزعزعون عن الحال الذي هم عليه ، فإن الرجوع عن الحقِّ حرام إجماعاً ، و في الثالثة استطاع قيس أن يقارب بينهم والإمام ، فيتفاوضون مباشرة ، و واعدهم أن يأتيهم الإمام بنفسه ، ليعتذر إليهم عما مضى ، و يعاهدهم العهود المؤكدة أن لا يلين في مواطن الصرامة ، و أن لا يأتي ما يأباه الحزم والدهاء ، فرضى عبدالله بن وهب و أصحابه بذلك ، إذ كان الحق أنشودتهم والعدل بغيتهم، و استبشروا بذلك، و سروا بذلك سروراً كبيراً ، [255] و صاروا مستعدين للقاء الإمام، و نسيان ما مضى مما مَكَّنَ لمعاوية، و أورثه قوة جمعها، و دسائس صنعها ، و أحوال وضعها مما يخوله رد المعارض أو على الأقل مقابلته مثلاً بمثل ، و الحرب سِجَال ، و قد استعد معاوية لمواجهة هذا الخطر المهم ، الذي يقدره معاوية الحساب الطويل العريض ، فتقوى كما ينبغي ، و رسخت جذور سياسته على أصولها ، لأنه يعلم أَنَّ علياً غير تاركه على شِبْرٍ من الأرض إلا على أساس شرعي ، و عليٌ يستعد لقهر الملكية التي تزاحم الجمهورية الإسلامية لتقضي عليها"(1) .
(1) انظر تاريخ المغرب الكبير (2/ 359-360)