العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥و إذا بالجيش جامع عزمه على قتل هذه العصابة في سبيل نيل الرئاسة التابعة لمعاوية ، المجاهدة من أجله لا من أجل علي ، بل هي هَامَّةٌ لإيقاع علي الإمام في هِوْةٍ خَطِرَةٍ ، قد لا يرى النجاة منها ، فإِمَّا أن يقتل فيستريح منه معاوية ، و يكون الأمر كله إليه كما قرر الحكمان ، و إِمَّا أن تقتل هذه العصابة ، و على الأقل أن يكون قتلها ضعف لعلي و تأخر في أموره ، و كلا الأمرين مراد ، و قد يغدر أخ بأخيه إذا لم يكن مانع ديني كما قلنا عنه في " نفحات الظهر" ، و المرء قد يغره مختدع له أخوه ، و به قد يبتلى .
و كان علي بن أبي طالب قلنا عنه مرات أنه كان سليم القلب ، لا خبرة له بالدهاء الظالم ، و لا يعرف عنه شيئاً ، و لا يدرك ما يُحَاك لمستقبله الدولي من الدواهي ، و يعتقد أَنَّ النَّاسَ كلهم ، أو على الأقل أكثرهم معه ، و لا يَوَدُّونَ غيره ، و لا يَسْعَوْنَ في فساد أموره ، فهو الإمام المجتهد ، و المخلص للأمة ، [257] و الزعيم الأكبر في تأييد الإسلام .
و بذلك الاطمئنان الذي رسخ في قلوب عبدالله بن وهب و أصحابه لم يبق إلا أن يتحرك موكب الإمام علي ، و يتقدم الركب المبشرون عنه ذاهباً إلى معسكر عبدالله بن وهب الراسبي ، فيجتمع بأصدقائه القدماء ، و يعطف بالاعتذار قلوبهم إليه ، و يَضُمُّ خاصته المخلصة إلى جانبه ، و قد تفاءل الأحنف بن قيس و خاصة الإمام المخلصة بهذا العمل ، و استبشر الأصفياء من جند علي بهذا الفتح المبين الذي كانوا تأثروا به .