العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦أمَّا الأشعث بن قيس وهو كما قال العلامة أبو مسلم : " و أشعث شيطان ألد كفور "، فهو و أهل طاعته في جيش الإمام علي ، و هم الأكثرون ومعهم رؤساء القبائل الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم ، و لم يعبدوا إلا الدُّنيا ، و جماهير الجند معهم تتبعهم ، قد ارتاعوا من مفاوضات الصلح ، و ما توصل إليه الإمام من نتيجة حسنةً مع عبدالله بن وهب ، و رأت تلك الجمهورية عبدالله و علياً يوشك أن يكونا يداًً واحدة على معاوية وحزبه .
فألى الأشعث و أصحابه أن يحولوا بين الجهتين ، لذا حاكا هنا الدسيس الفاسد دون وقوع ذلك الصلح ، حيث يرونه شؤماًًً على معاوية ومقاصده ، فهم في المقام حسدوا علياً بالاتفاق مع القوم ، و حسدوا النهروانيين أن يكون لهم صوت عالٍ عند علي بن أبي طالب ، و حسدوا الإسلام أن يكونوا له نصراً و استقامة .
و لعل هؤلاء على الأقل أن يحوزوا كلمة الإمام ، و يكونوا محل رضاه في أموره التي هم يسيطرون عليها ، و تقدموا أن يوقعوا الإمام في حرب مع أهل [258] النهروان ، فكان ما أرادت تلك البطانة الخاطئة بطانة معاوية .
و لقد أورد البَرَّادِي(1) و الشَّمَّاخي(2) – رحمهما الله - مفاوضات الصلح التي أجراها سفراء علي مع عبدالله ، و تردد قيس بن سعد بن عبادة بين الطرفيين ، و إرسال علي له ثلاث مرات لما يرجوه و يرغب فيه من إصلاح ذات البَيْنِ .
(1) جواهر المنتقاة ص119-122
(2) كتاب السير (1 /48-49)