العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

وهذا دليل على أن علياً لم يقصد الحرب لما ذهب إلى النهروان ، و إنما قصد الصلح والتراجع ، و ضم عبدالله بن وهب وقوته الحربية الكبرى الشديدة على معاوية و أعوانه ، لأن عداء علي كان يتجه إلى معاوية ، و إذا تعب علي في شيء ففي كف الأشعث بن قيس وحزبه من دعاة الفتنة ، الذين يدعونه إلى حرب عبدالله بن وهب الراسبي و عصابته الطاهرة ، التي تتألم على هوان الحقِّ ، و ذِلَّهِ في صالح عدوه ، الذي تَجَرَّدَ لقتال المسلمين ، و لم يبال بسفك دماء المؤمنين ، في سبيل أن يكون أمير المؤمنين"(1) .

و كان الأشعث بن قيس وحزبه دعاة فتنة ، وهم الذي حملوا على كواهلهم ظلم المسلمين ؛ بإثارة الشر بينهم ، و إيقاد نيران الفتنة في الإسلام ، و علي يدافعهم و يداريهم لأنهم قوته الفَعَّالة التي لا يمكنه إبعادها في هذه الظروف الحرجة التي تضطره للخضوع لآرائهم ، لا سيما أنهم يتكتمون عنه ، و يكتمون ما يرومون ، و أضر الناس على الأمير بطانته في كل جيل و كل عهد من عهود التاريخ ، إِنْ بَسَطَ لهم تَمَرَّدُوا عليه ، و رأوا أنهم هم أولو الأمر حلاً وعقداً ، و إن قَبَضَ عليهم حاولوا قهره و إبعاده ، وعلى هذا سنن التاريخ تأكد ، و الشواهد معروفة لا تحتاج إلى إبراز .

و ما زال علي يحاول[259] أن لا تقع فتنة بينه و بين إخوانه ، و لكن أعدائه بخلاف ذلك إِلَّا ما شاء الله ، إذ هم دعاة و عباد الأطماع يدعونه لحرب أهل النهروان ، لما يعتقدونه فيه يعتقدون مثله أو أشد منه فيهم ، وما يرجونه من معاوية لا يرجونه من علي، و من أهل النهروان من باب أولى ؛ لأَنَّ أولئك لا يرون الحقَّ الناصع ، و العدل الكامل في الأمة أين كانت ، ويراوغون علياً على حرب هؤلاء ، و يخلقون له فيهم أحوالاً هم بريئون منها ، ويريدون منه أن يوقع بهم شراً ، و يضمرون لهم غدراً تبعاً للشيطان الذي يُسَوَّلُ لهم .

(1) تاريخ المغرب الكبير (2/ 361)

٣٠٧ / ٤٣٨