العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨و صَحَّ و ثَبَتَ أَنَّهم لم يرتكبوا أمراً يوجب إلا أنهم رفضوا التحكيم ، و فروا عن مقتضاه ، وتباعدوا عَمَّنْ إرتضاه ، و بايعوا إماماً لهم يرومون به إحياء القضايا الدينية التي قاموا من أجلها على عثمان بالأمس حتى قتل ، و بعده بايعوا علياً إماماً لهم بيعة علنية شاهرة أجمعوا عليها على مقتضى أوامر الكتاب و السنة ، و لما رأوا بَذْرَ الشِّقَاقِ وقع في الميدان الذي هم فيه توقعوا فساد الدِّين منه فلا جرم إذا فروا بدينهم ، و أرادوا إماماً لهم يحملهم على أوامر الكتاب و السنة ، فيميت البدعة ، و يقيم الحق على أعمدة الإيمان ، ويسير بالناس سيرة الخليفتين السابقين ، فهل هذا جرم أو ذنب ؟؟، بعدما خلع إمامهم نفسه ، و ترك إمامته في يد الحكمين ، و بقي ينتظرها هل تعود إليه أم لا؟ ، فلم تعد بل عادت على معاوية تؤيد جريمته في الأمة،[260] و تجمع له ما تَفَرَّقَ بها .
و هناك فريق غَطَّ الجهل على عينيه فأعماها ، و غلب الهوى على قلبه فستهواه ، فَضَّلَ الطريق ، ولم يكفه أن سلك الجادة السوية راضياً بها سيراً إلى الغاية الرُّوحية ، بل ضَلَّ ينسب إلى الحقِّ كل رذيلة، و يسلب عنهم كل فضيلة ، ليكون مقبولاً عند القوم الذين عاثوا في أرض الله فساداً .
فكان بعض المؤرخين الذين يظلمون التاريخ في سبيل رضى الغير ، ينقلون المفتعلات التي من شأنها الحَطُّ من شرف القوم ، غير مراقبين أن للكون مكوّناً قادراً عالماً سميعاً بصيراً ، و للرعية راعياً صالحاً مالكاً عادلاً ، عتيداً من كل أحد ، عالماً بكل ما كان ، و ما يكون ،" لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا "(1).
(1) النساء : 40.