العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣١١و لا شَكَّ أَنَّ المرء في المحنة عَيٌّ ، فعلي بقي نادماً فيما فعل ، حائراً في المصير ، أهمه أمر الأمة ، و أهمه أمر مصيره ، و أهمه ظلم معاوية ، و كان صادقاً فيما أبلغه سفيره قيس بن سعد عن عبدالله بن وهب من إتيانه إليهم للمصالحة و الاعتذار ، و ما كان لعلي و هو عَلَمٌ في الدِّين ، وَ ممَّنْ يضرب به المثل في الورع و التقوى أن يَخِيسَ(1) بوعده ، و يكذب في قوله ، و يهجم على الآمن في مأمنه ، وقد وثق بعهده ، و اطمئن إليه ، فألقى سلاحه ، و فَرَّقَ جنده ، و اختلط جيشه بجيش عدوه .
" إنَّ الذين يصفون علياً بالكيد لعبدالله فَفَرَّقَ جيشه ، يصفون عبدالله بأنه مغرورٌ في سذاجة الغفلة ، و هو من الدُّهَاةِ الذين لهم ضياء العقول الحية الواعية ، فهو وأصحابه دهاة أذكياء يتبينون الخفايا الخفية من وراء ستارها ، و ينتبهون لدقائق التي لا تبين لغيرهم ، و ما كان لقيس بن سعد و الأدهى منه أن يداجي عبدالله بن وهب وصحبه فيلبس غير لباسه ، ويظهر بوجه غير وجهه ، و يبرز [263] و يظهر في غير حقيقته ، و ما كان لقيس و هو من سادات الأنصار ، و من له المكانة فيهم ، و في صلاحه، و اعتداده بنفسه ، وفي غيرته على مكانته العالية بين أقرانه في عصره أن يفعل هذا ، فيخادع أناس يشهد هو بفضلهم ، و ينطوي على إجلالهم و إكبارهم ، و يراهم قوة كبرى يجب جَرَّهَا إلى الإمام ، و إلى أجنحته التي يقدر أن يُحَلِّقَ بها على رؤوس المعادين له ، فلا ينبغي أن تخرج هذه القوة الحامية عن الإمام ، بل يجب أن ترجع عليه ، فتشد عضده وتؤيده .
(1) يقال خاس بالعهد يخيسُ خسيساً وخسياناً:. غدر ونكث، ( القاموس المحيط/543) مادة خ ي س