العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣١٢إِنَّ العوام و الذين لا يحكِّمون المنطق في هذه الحوادث قد أراهم الغضب، و الحمق، و تحكيم العاطفة في هذه الحوادث غير الحقيقة ، فتفوهوا وعللوا الحوادث تعليلاً خاطئاً ، فنقل بعض المؤرخين تلك الأقوال التي يناقضها ما أثبتوه بعد ذلك ، و نسبوه إلى الإمام مِنْ تَحَسُّرِهِ، وَتَأسُّفِهِ، و بُكَائِهِ على عبدالله بن وهب و صحبه ، و الذين استشهدوا في النهروان ، و ما وصفوه به من تحسره حين كانت المعركة دائرة ، و الهجوم يقع على عبدالله بن وهب وصحبه .
فلو كان هو الآمر بالهجوم المشعر بالحرب لَفَرِحَ بالنصر على العدو الذي رأى قتله واجباً ، و إعداماً فرضاً ، و لو كان من أقرب الأقرباء له ، فقد قتل من أقاربه في سبيل نصرة الحقِّ من لا يخفى بين أهل العلم ، فكان هنا كذلك ينبغي على فرض ما قرره المؤرخون الذين لا يهتدون للحق كما ينبغي أن يفرح بالنصر على عدوه عبدالله و صحبه" .(1)
" و كان الأشعث بن قيس [264] وصحبه من رؤساء القبائل الذين اصطنعهم معاوية الداهية ، يتحسرون و يتألمون لما وصل علي إليه من نتيجة حسنة مع عبدالله بن وهب و يقولون في أنفسهم : إن تم له ذلك فلن يبقى معاوية على كرسيه في الشام .
و عزم علي على المسير إلى عبدالله للمصالحة ، فيكونوا يداً واحدة ، فعزم الأشعث بن قيس أن يفسد خطة الإمام ، ويمنع وقوع الصلح المطلوب إن استطاع بكل ما لديه من حيلة ، فيهجم على عبدالله بن وهب و يشعل عليهم حرب ضروساً ، ويجعل الإمام في الأمر الواقع الذي لا يستطيع له مَرَداً .
إن أتباع الأشعث في جند علي لكثيرون ، و إن السيطرة للأشعث في الجند أكثر من سيطرة علي بن أبي طالب .
وإذا رأوا الإمام أراد أمراً يخالف مقتضى نظرهم زَيَّفُوه ، و انْطَوُّوْا على خلافه ، و ذلك من ابتلاء علي بن أبي طالب ، فإِنَّ جنداً هذه صفته لا بد أن يكون نقمة على رئيسه" .
(1) تاريخ المغرب الكبير(2/362)