العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣١٤فاغتنم الأشعث بن قيس الفرصة هو وصحبهَ الذين هم على رأيه خاصةَ أَمْنَ عبدالله ، و تَفَرَّقَ جيشه ، فهجموا عليه و أحاطوا به ، و تبين له خلاف ما كان يظن ، ركب هو و أصحابه الذين كانوا خاصته باقين معه في المعسكر ينتظرون وصول الإمام فما شعروا إلا وقد دارت الحرب ، وقامت المعركة الرهيبة بين الأشعث بن قيس و الذين اندفعوا بجيش الإمام ، و عبدالله و صحبه الآمنون المطمئنون بنيل الصلح عند مجيء الإمام ، و إذا بالقتلى تتساقط و السيوف تعمل في الرقاب ، و جيش الإمام كما عرفت فوق سبعين ألفاً فماذا تكون هذه العصابة القليلة في جيش كالبحر ، فلم تزل القتلى تتساقط من الجانبين ، وتخر على الأرض ، و لم يزل المؤمنون يقتلون و أهل الأهواء يلعبون ، و دامت الحرب [266] من الغداة إلى الأصيل بين إخوان مسلمين ، أخذت يوماً كاملاً ، و لم يملك الإمام شيئاً "(1).
و مما يدل على عدم إرادة علي قتل أولئك الرجال لم يدخل الحرب كعادته ، و لا شُهِرَ عنه أَنَّه قَتَلَ أحداً بيده ، و لعله قيل له إن القوم بدأوا بالحرب فيظن صدق القائل ، و العهدة عليه ، و لم يعلم هو من أثارها ، فلم يشعر إلا و السيوف على الرؤوس ، و القتلى تهوي على الأرض .
ومن حيث أنه الإمام القائد و المسئول عما يجنيه جيشه ، وَجَّهَ خصمه الجريمة عليه ، فقامت المحاورات و اشتدت المنازعات ، و كل يعد على خصمه البغي عليه ، و لكن لما كان حسب الظاهر أن المنتصر علي عَلَّقَ أهل الأهواء على النهروانيين جريمة تلك الحرب ، و أخذوا يضيفون إليهم كل سوداء مظلمة ، ومن طَبْعِ النَّاسِ هذا يؤيدون المنتصر ولو لم يكن محقاً ، فيجعلونه المحق المخلص ، و لو انتصر النهروانيون لسمعت القيل والقال في علي و جيشه .
و النَّاسُ مَنْ يَلْقَ خَيْراً قَائِلُونَ لَهُ مَا يَشْتَهِي وَ لِأُمِّ المُخْطِئَ الهَبَل(2)
(1) تاريخ المغرب الكبير(2/363-364)
(2) سبق تخريجه