العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣١٦فمعاوية لا يراعي أحكام الشريعة إلا في مصالحه الخاصة أو في ما لا يُخِلُّ بسياسته ، فلا يزال يراوغ الشريعة من كل وجهاتها ، كما في قضية قتل عمار بن ياسر – رضي الله عنه - ، و قد شاع أَنَّ عماراً تقتله الفئة الباغية ، و لمَّا قتلته شيعة معاوية أقلق بعض الصحابة ذلك ، فأخبر معاوية ، فرأى معاوية أن لا بد لهذا الخبر من أثر في قلوب كثير من أصحابه ، و رأى إذا تأثر البعض سرى ذلك في الباقين فيقع الخلل في السياسة التي ينسجها هو ، فلذلك قال لهم : " لم نقتله نحن و إنما قتله من أخرجه إلينا "(1) فأرضى ذلك أهل الشام ، و أقنعهم ، فإنهم كما قال في الإمامة و السياسة :" إن أهل العراق اختلفوا على علي ، و لم يختلف عليك - أي معاوية - أحد " قال " والخلاف أشد من القتل "(2) اهـ ، و هو واضح ، فإن المكيدة المشار إليها وضعت لذلك ، فأهل الشام كما يقول معاوية لا خلاف لديهم ، و أهل العراق أهل علم و عمل و استقامة في الدين ، و فيهم عمي لا يبصرون الحق ، و لذلك كان الافتراق من أول [268] ساعة وقع فيها النداء بتلك المقالة الفاسدة ، وعندما وقع الإصغاء إليها أنكر المسلمون ذلك ، وقالوا قولتهم المشهورة وهي : " لا حكم إلا لله " .
(1) الإمامة والسياسة (1/110)
(2) الإمامة والسياسة (1/112) والقول لأبي الأعور