العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣١٩فإن علي بن أبي طالب ندم على قتلهم ، و بكى عليهم ، و لا يعقل أن يبكي على قتل عدوه ، وقد شُهِرَ عنه ذلك أي بكاؤه عليهم ، و تأففه على الواقع ، وعَضَّ أصابع الندم ، و رآها بلية أحاطت به ، و إنها لمن الدواهي ، و هنا تحقق أنه لا يستطيع رد جماح معاوية ، إذ هذه الوقعة زادت الطين بله ، و أثقلت كاهل علي ، وعاد إلى الكوفة ، و الأفق مُغْبَرٌّ في وجهه ، إِذْ سَمِعَ النوادب للأبرار الأبرياء ، قتلوا على غير شيء في ضحوة من نهار ، و أيقن أن أموره ستنهار ، و إمامته ستضمحل .
و كذلك ترجم دبوز بكيد الأشعث لعلي(1) ، و أثر ذلك في أنصاره بوقعة النهروان ، و افتراق جيشه عليه بعد الرجوع من النهروان إلى الكوفة ، و ما كان عليه المسلمون مما خرجوا له من نية قتال معاوية و أهل الشام ، و بعضهم خرج بنية الصلح و المراجعة بين علي و عبدالله حتى أشعلها الأشعث المتغطرس على المسلمين ، و أثارها شعواء بين إخوان مؤمنين ، ليستغل رضى معاوية و أهل الشام ، و يكبر في أعينهم ، فيسيطر على المقاصد ، و يريهم أنه الرجل الوحيد ، و البطل الصنديد ، و الشجاع الفذ الذي إذا قال فعل ، فينال بذلك المكانة السامية .
و كان الأمر كما أراد فإن علي بن أبي طالب أدرك الحقيقة ، و علم الغاية ، فلذلك لم يتحرك بعدها إلى معاوية ، و بقي يوبخ الجند ، و يذمهم و يعلن مغشتهم ، و إن معاوية مطاع في أهل الشام و علي على خلاف ذلك في أهل العراق .
و إذا تحققت أَنَّ علياً لم يَرْضَ بقتل أهل النهروان، أو لم يأمر به لم تلزمه مهمتهم ، و لم تَعْلَقْ به تلك الجريمة ، و قد يكون المرء في نيته قاصداً خير [271]فلا يُرَى في قصده إلا شراً .
(1) تاريخ المغرب الكبير(2/366)