العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠وهكذا عليٌ فيما أحسب ، و أما النقل عن المؤرخين فمتباين و متناقض ، و عند كل قوم ما يوافق غرضهم ، و يلائم دعوتهم ، و لا تلتفت إلى ما ذكره صاحب فتح الباري(1) و أمثاله ، فإنه مختلطٌ، مضطربٌ، يجمع الغَثَّ و السمين ، و إذا تتبعه الإنسان رآه متناقضاً من جميع نواحيه .
و العجب من مثل هؤلاء العلماء الذين لا يستعملون عقولهم ، و لا يشغلون أفكارهم بالنظر إلى ما جاء في أخبارهم ، فتراهم كمن يحتطب بالليل و يجمع كل ما يلاقي .
وقد حاولت تمحيص ما ذكر و مقابلة ما نقل ، فرأيته ضياع وقت لا غير ، و على كل حال إنا نعتبر الرجال بالحقِّ و تأييد كل محق ، و إذا كان صاحب الفتح يكتفي بتلك الأقوال في العقيدة ويعتمد في الرؤية ذلك الضلال ، فماذا نقول في حق غيره ؟؟ .
أعني إذا كان مثل هذا العالم في الحديث لا يمحص ما جاء فساداً في العقيدة إذ كان قدحاً في الصفات الإلهية ، فمن باب أولى لا يبالى بما عدا ذلك .
و لو أخذوا بمذهب زيد بن عمرو بن نفيل في طلبه الدين لهداهم الله للحقِّ المبين ، و لكنهم يأخذون ما وجدوه لغيرهم تقليداً ، و لا يزنون ذلك بميزان العقل ، و لا يرون نقض ما وجدوه جائزاً، وإن كان خلاف الحق .
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (12/351-384)