العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٢اعلم أَنَّه لمَّا رأى معاوية و أحزابه أن الدائرة تدور عليهم ، و رأوا تحقق الغلبة للإمام عليهم ، و أنهم إذا وقعوا في يده أن يحكم فيهم بحكم الله عز و جل ، و تَيقَّنُوا إذ ذاك أن لا شام لمعاوية، و لا مصر لعمرو بن العاص ، لجأوا إلى المكيدة ، و حقيقتها حيلة إن نفعت ، رأوا أن أهل العراق سريعوا الاختلاف والافتراق ، وكان عمرو بن العاص من أدهى العرب ، اخترع رفع المصاحف على الرَّماح ، منادياً بها إنَّا نحاكمكم على كتاب الله عز و جل ، فلمَّا رأى أهل العراق رفع المصاحف على الرؤوس ، و النداء بالمحاكمة إليها [273] اختلفوا عليها بين قائل ارفعوا السيف فإنهم يناشدونكم حكم كتاب الله ، و ليس لكم الآن قتالهم و الحال هذا ، و بين قائل ضعوا السيف على أعناقهم ، أو يخضعوا للحقِّ ، و هل نحن قاتلناهم إلا على تركهم حكم الله عز و جل ؟!، و قد حكم الله تعالى شأنه فيهم نصاً!! ، و هو قتال الباغي أو يفيء إلى أمر الله تعالى عز و جل .
بهذا وقع الاضطراب في جيش الإمام علي ، و على كل حال إِنَّ الإمامَ بالجند ، و إذا لم يكن جندٌ فلا إمارةً، و لا إمامة،ً و لا سلطنةً ، و حينئذ بقي الإمام بين أمواج هذه الداهية الدهياء ، التي أصيب بها في جيشه ، الذي دَوَّخَ العدو سابقاً .
و كانت الأكثرية التي ترى ترك الحرب للمحاكمة ، و بقيت الأقلية مَصِرَّة على عدم الرضى بذلك ، و لكن الحكم للأكثر ، و إذا اشتبهت الأمور لم يدرك الحقَّ فيها إلَّا الأقلون ، و هذا أمر بديهي جربته الأمم على اختلاف أوضاعها ، و في سالف تاريخها .
و إليك بيان ذلك عن علماء التاريخ :