العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦وقال شريح بن هاني لأبي موسى يُحًذِّرُهُ :" إِنَّك قد نُصِّبْتَ لأمر عظيم لا يُجبر صدعه ، و لا تستقال فلتته ، و مهما تقل من شيء لك أو عليك يثبت حقه و يزيل باطله "، و في نهج البلاغة " يثبت حقه و يرى صحته و إن كان باطلا" ، "إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية ، و لا بأس بأهل الشام إن ملكها علي ، فانظر في [285] ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقاً "(1) اهـ .
و لقد صَرَّحَ بعدما لَوَّحَ ، ثم قال له الأحنف بن قيس : " يا أبا موسى اعرف خَطْبَ هذا الأمر ، و اعلم أَنَّ له ما بعده ، و أنك إن ضَيَّعْتَ العراق، فلا عِرَاقَ لك ، فاتق الله "، قلت : لقد ضيعها مَنْ وافق على التحكيم، حيث جعل لمعاوية هذه المدة التي يستطيع أن يتقوى فيها مادياً و معنوياً ، فيستميل قلوب الذين يتشوفون إلى الدنيا و هم الأكثر ، و الذين لا يفقهون الحقائق ، و لا يدركون الغوائل .
ثم قال له:. " إنك تجمع بذلك دنيا و أخرى "، قلت : و أين أبو موسى من ذلك الداهية العظيم ، يحمله تحت إبطه و لا يدري!! .
قال:. " و إذا لقيت عمرو غداً فلا تبادره بالسلام ، فليس من أهله "، أي لا تبتدئه تجليلاً فليس هو بأهل لأن يجلل ، لكن أين عقل أبي موسى بالنسبة إلى عمرو بن العاص! ، و هو يماني! ، و قد شُهِرَ أهل اليمن بخفة العقول و رقتها!! .
قال:. " ولا تعطه يدك، فإنها أمانة ، و إياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنها خدعة " قال:. " و لا تلقه إلا وحده " أي لأن من معه يشهد على ما يقع بينكما من حوار فيثبت عليك حجة .
(1) المرجع السابق (1/115)