العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٤و الطَّاعن في الدِّين لم يسلم منه العباد المتدينون ، و لا الدين ، و لا مالك يوم الدين ، فإنَّه بطعنه في الدين طاعن في رب العالمين ، و أيُّ ذنب يعادل ذنب هذا الغافل عن تحقيق الحقائق التي كان منها ، و التي كُوِّنَ لها ، سبحان الذي بسط حلمه على علمه ، و وسَّع رحمته على خلقه .
و قد تواترت الأدلة على تحريم الطعن في أَعْرَاضِ المسلمين ، فكيف بها في الدين ، قال الله عزَّ و جلَّ : " َلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ "(1)، هذا إذا كان الطَّعْنُ في الأعراض ، فكيف به إذا كان في الدين ، أيرُدُّ الجاهل على ربه دينه ، و ينتقده في عمله التكليفي ، و هو يقول :" لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "(2) ، و قد كَلَّفَ الله عباده ابتلاءً و اختباراً ، و ليكون ثوابه و عقابه على عمل يعملونه ، و أمر يفعلونه، فإِنَّ الله لا يَعْبَثُ في مخلوقاته ، و لا لَعِبَ في مصنوعاته ، سبحانه من قادر [27] ، ما أعظم شأنه ، و أقوى سلطانه .
و قد ثبت في آثار المسلمين أَنَّ الطعن في الكفر ، و الفسق ، و الضلال من الجهاد في الدين ، و أنَّ حماية الدِّين من ألسن العابثين فَرْضٌ على المسلمين ، و أَوْجَبُ الواجبات الرَّدُ للطعن إنْ لم يكن بسهام فبالأقلام ، و إيضاح الحجج ، و تبيين المقاصد ، و كشف الغايات ، و القصد لرضى الله عز و جل .
و الدِّينُ لا يُعْبَثُ في حَقِّهِ إلاَّ أَخُو البَغِيِّ حَلِيفُ الضَّلالِ
والقَدْحُ في الدَّينِ متى مَا أَتَى فَقُلْ إِنَّمَا ذَلك في ذي الجَلالِ
تعالى الله عن أقوال المتنطعين ، و عزَّ في ملكوته عن معارضة المستكبرين.
و سبب الطعن التكبر ، و لا يتكبر على الحق إلا جاهل خسيس ، و جاء ذلك في الأثر الصحيح .
(1) الحجرات : 12 .
(2) الأنبياء : 23 .