العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠وما زال عمرو يفعل بأبي موسى هكذا ،" و ما زالا يلتقيان على هذا الحال ، و بقي الناس منتظرين أمر الرجلين حتى ملوا ، و حتى اطمئن أبو موسى إلى عمرو، و سكنت إليه نفسه ، و كان أبو موسى عند عمرو آلة يقلِّبها كيف شاء ، حتى إذا رأى التمكن منه، و الاطمئنان إليه ، و أقبل الأشعث بن قيس، و كان مِنْ أحرص الناس على إتمام الصلح، و الراحة من الحرب ، فقال : " يا هذان، إنَّا قد كَرِهْنَا الحرب فلا تَرَّدَهَا إلينا ، فإنها مُرَّة الرضاع و الفطام ، فَكُفَّاهَا بما شئتما " ، و كلا فريقين في همة استقبال شر ، و أقبل سعيد بن قيس ، و كان من أصحاب علي بن أبي طالب فقال : " أيها الرجلان، إني أراكما أبطأتما بهذا الأمر ، حتى أيس القوم منكما ، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه للناس، نسمعه و نشهد عليه ، و إن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب " .
ولما رأى عمرو الفرصة متواتية غدا إلى أبي موسى فقال له : " يا أبى موسى قد عَرِفَتَ حال معاوية في قريش ، و شرفه في بني عبد مناف ، و إنه ابن هند ، و ابن أبي سفيان ، فما ترى ؟ " و كان هذا أَوَّلُ شيء فتح به باب الضَّالة المنشودة .
فقال أبو موسى : " أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي! ، و لو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية كان أخوال ذي أصبح "(1) [290] و في رواية " لو كان الشرف حجة في هذا الأمر لكان أحق الناس بهذا الأمر أَبْرَهَة بن الصباح ، و لكني أرى وترى "، و كان هذا كلاماً حازماً تلاقَّهُ عمرو من أبي موسى ، و باعده به أبو موسى .
ثم غدا عليه بعد ذلك فقال : " يا أبى موسى إن قال قائل إن معاوية من الطلقاء، و إن أباه رأس الأحزاب ، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صَدَقَ ، و إذا قال إن علياً آوى قتلة عثمان، و قتل أنصاره يوم الجمل ، و برز على أهل الشام بصفين فقد صدق ، وفينا وفيكم بقية .
(1) المرجع السابق (1/117)