العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢فانظر في دهاء عمرو بن العاص و غباوة أبي موسى ، حيث أخرجه عمرو عن الموضوع الذي هما بصدده ، و ألزمه ما لم يلزمه ، فإنه ألزمه دم عثمان ، فاعترف أبو موسى به ظلماً ، فقد ظلم أبو موسى الصحابة كلهم ، و فيهم علي بن أبي طالب و آل علي ، حيث إِنَّ الصحابة اشتركوا في قتل عثمان ، أكثر من مئة ألف رجل ، إذ منهم القاتل، و منهم الآمر، ومنهم الراضي ، وبهذا أصح أبو موسى عمرو بن العاص في القضية .
ثم قال أبو موسى لعمرو : " قم يا عمرو وصرح بما اجتمع عليه رأينا ، و ما اتفقنا عليه "، فقال عمرو- و هو الداهية الدهياء- : " سبحان الله أقوم قبلك وقد قَدَّمَكَ الله تعالى قبلي في الإيمان و الهجرة ، و أنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – ، و وافد رسول الله – صلى الله عليه و سلم – إليهم ، و بك هداهم الله و عرفهم شرائع دينه ، و سنة نبيه – صلى الله عليه و آله وسلم - ، و صاحب مغانم أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - ، و لكن قم أنت [292] فقل ثم أقوم فأقول " (1).
فقام أبو موسى مسروراً بتلك الإشادة التي سَحَرَهُ بها عمرو ، وقد خَبَّأ تحتها دسيسته المقصودة بالذات .
فقام أبو موسى بيمانيته !! فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : " أيها الناس إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه ، و إني لا أملك ديني بصلاح غيري ، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب ، و إني رأيت و عمراً أن نخلع علياً و معاوية ، و نجعلها – أي الإمارة – لعبدالله بن عمرو فإنه لم يبسط في هذه الحرب يداً و لا لساناً " .
ثم قام عمرو و كان قد هيأ قنبلته الكبرى! فقال :" أيها الناس هذا أبو موسى، و هو شيخ المسلمين قَدَماً ، و هو حَكَمُ أهل العراق ، و من لا يبيع الدين بالدنيا ، و قد خلع عليا و أنا أثبت معاوية "(2) و في رواية " وقد خلعته كما خلعه و أثبت معاوية " .
(2) المرجع السابق (1/118)