العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩و أجابه النهروانيون في هذا الصدد : " إنَّكَ لم تغضب لله ، إِنَّما غضبت لنفسك ،و الله لا يهدي كيد الخائنين "(1) و المعنى بعدما خلعت نفسك من إمامتك، و عاهدت الله [299] على ذلك، ليس لك أن تَدَّعِيَ الإمامة بعد ذلك ، و نحن قد بايعنا غيرك فلا يلزمنا أمرك .
قال " و لما رأى علي كتابهم أيس منهم "(1) أي رأى لهم حجة قائمة يحجونه بها ، و هو من أجلة علماء الشريعة ، و لكن السياسة لها أقوام غير رجال الفقه .
قال " ورأى أن يَدَعَهُمْ و يمضي بالناس إلى معاوية وأهل الشام فيناجزهم ، فقام خطيباً فحمد الله و أثنى عليه ، ثم اندفع يذكر أحوال معاوية و من معه ، و ذكر إلى أن قال :" و الله لو وَلَوْا عليكم لعملوا فيكم بعمل كسرى و قيصر .... إلخ "(1) .
" ثم خرج علي بجيشه فعبر الجسر ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى ، على شاطئ الفرات ثم أخذ إلى الأنبار "(2) و هنا رأى أنصار معاوية في جيش علي أن هذا الرجل لا بُدَّ له من معاوية نصبوا له مكيدة لا تتركه ينصرف عنها .
وذلك أنهم قضوا على عبدالله بن خباب بن الأرت ، و بقروا بطن امرأته هي حبلى ، و قتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان ، و جاءوا علياً يقولون هذه أفعال النهروانيين يا أمير المؤمنين ، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا ، و أموالنا سِرْ بنا إليهم ، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام ، هذه هي المكيدة الفاجرة التي اختلقت على أولئك البررة الكرام ، الذين أفنوا المُخَّ والعظم في رضا الله ، و سهروا الليل في عبادة الله عز و جل ، و بايعوا لهم إماماً يستخلفون به بدل إمامهم الذي خلع إمامته ، و عاهد على ما يرى الحكمان ، ثم قام بزعم الإمامة ، ثم خلقوا لهؤلاء الرجال النهروانيين أكاذيب، و افتعلوا فيهم الأفاعيل المنكرة ، التي لا [300] يحب أجهل الناس سَمَاعَهَا .
(1) المرجع السابق (1/ 123-124)
(2) المرجع السابق (1/126)