العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤و الآية دليل على أن لا عصمة لهم من الوقوع في مهاوى الضلالة ، و هي أيضاً شاهدة بذلك ، و إذا كانت العصمة انتفت عنهم فلا جرم أن الله بالغ أمره ، و الآية أيضا دليلٌ على جواز صدور الآثام من العباد ، ومن تاب من ذنبه فإن الله يغفره له جميعا ، و آيات القرآن شاهدة بذلك منطوقاً ومفهوماً .
و لا ريب فإِنَّ العصمة للنبيين – عليهم الصلاة و السلام – فقط ، و إن صدرت منهم المعاصي على غير اختيار فللدليل على عجز البشر ، و لا يقرون عليها إجماعاً ، و إنما صدروها لحكمة هي ما أشرنا إليه .
و لئلا يظن ظَانٌّ أنهم معصومون عصمة مطلقة ، فيصفونهم بصفات الألوهية ، و إنما تقع منهم المعاصي على جهة الغفلة ، و النسيان كما في آدم – عليه السلام – " فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا "(1) .
و قد دَلَّتْ آية المبايعة أيضا على أنه ليس كل المبايعين على الحقِّ ، فإن فيهم من ظهر نكثه البيعة ، فظهر بذلك نفاقه ، ولم يقل رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه يشفع لهم ، و إنهم كإخوانه في الجنة ، بل هددهم القرآن، و نعى إليهم فعلهم ذلك .
فالآية و الحديث شاهدان على أن بعض المسلمين على غير حَقٍّ ، و هم الذين لا يثبتون على أوامر الله ، و لولا ذلك لما حَاجَ الأمرُ إلى ذكر النكث في البيعة ، وإعلان تهديده في القرآن و السنة ، و لكن لما عَلِمَ اللهُ من عباده وقوع ذلك ، أشار إليه عز و جل وعلم منهم أنهم لا يستقيمون على شروط التكليف .
فإن بعض الفرق الإسلامية بل أكثرها على الباطل ، لذلك حكم عليها رسول الله [313] – صلى الله عليه وآله و سلم – بالهلاك ، فقال :" كُلُّهَا هَالِكَةٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ نَاجِيةٌ " (2).
و لم يقل كل من قال : " لا إله إلا الله " مطلقا دخل كما رووا ، بل قال : " كلها هالكة " وفي رواية " كلها إلى النار " .
(1) طه:115
(2) سيأتي تخريجه.
(2) هود : 113.
(3) الفتح: 3.