العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦و اعتبر آية المبايعة ، تَجد التهديد يَشِفُّ من خلالها لمن لم يثبت على بيعته ، إذ قال الله تعالى فيها:. " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ " (3) ، فَدَلُّ أَنَّ منهم من يَنْكُثُ فلذلك وضع لهم ذلك التهديد في صورة الخبر على منهج الوعظ البليغ في حَدِّ ذاته ، و هل جزاء النَّاكِثِ لبيعته إلا العقاب على النكث كما علمت ، و فيها دليل على أن ليس كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله على حق .
و البيعة عَهْدٌ من الله بينه و بين خلقه ، و نَكْثُ العهد من أكبر الكبائر عند الله عز و جل ، فمن نكث عهد الله فقد هدم دينه ، ولن تنفعه لا إله إلا الله وحدها مع تضيع العمل ، و هل القول دون العمل يفيد ؟، لا بل هو مقت لازم، " كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ " (1) .
و اعلم أن بيعة الرضوان ، أعظم بيعة بين أهل الإيمان ، وقد صَرَّحَ الله فيها بِأَنَّ في المبايعين التقي و الوفي الذي بايع من صميم قلبه خالصاً مخلصاً لله عز و جل ، و إن فيهم الشقي الذي ينكث ولا يفي بما عاهد عليه الله ، فلا غروى أن عصى الله سائر الناس ، و قد علم الله من الناس يوم خلقهم، بل و قبل خلقهم، أن منهم مَنْ يعصيه ، و يكفره و لا يشكره ، و لعل باحثاً يقول : لما خلق الله خلقا يعصونه و يكفرونه ؟ و يكونون له أعداء و أضداداً ، و خصوماً و أنداداً .
و الجواب عن هذا واضح إِلَّا أَنَّ لَهُ مقام غير هذا ، و أن الله حكيم يضع الأشياء [315] مواضعها ، و يرتب الأسباب على المسببات ، و يحكم الله ما يريد في قضايا الكون بحكمته الباهرة ، فلا خَلَلَ، و لا بُطْلَ، و لا فَسَادَ في صنعه عز و جل :." لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ "(1)
(1) الصف : 3.
(2) الأنبياء : 23 .