العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٣٦٧

، و لله في خلقه الخلق حكمة بل حكم باهرة ، و أسرار ظاهرة " و لو لم تعصوا الله فتستغفروه فيغفر لكم لأتى الله بقوم يعصونه فيستغفرونه فيغفر لهم " ، " لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ … "(1) الآية.

واعلم أن الله بنى مملكة الحياة ، و أعطى حرية العقل لِكُلِّ نَفْسٍ ، و أمر و نهى عند ذلك ، و حَدَّ الحدود ، و وَضَعَ القيود ، و أوضح حقوق المعبود تعالى ، في حرية صحيحة حتى لا يقع على أي نفس إجباراً فتكون مظلومة .

و رَتَّبَ الثواب و العقاب على الامتثال و عكسه ، و قضى بين الكل بالعدل على الأصل الذي خلق عليه الخلق بادئ بدء ، و هكذا تجري الأعمال .

و إذا اعتبرت تلك الآية التي تَنُصُّ على أَنَّ المؤمنين لا يُوَادُّون من حَادَّ الله و رسوله كيف كانوا و أيا كانوا في هذا الكون المترامي الأطراف ، تهتدي به إلى المنهج الحقِّ الذي أراده الله من عبادة ، و ترى فاصلاً سماوياً بين أهل الرُّشد في الدِّين و أهل الغواية من المسلمين ، فإن من وَادَّ المشركين لم ينفعه إيمانه ، و الظاهر لم يترك من الأعمال المطلوبة إلا واحدة و هي معاداة المشركين فقط مع التزامه كل ما شرع الله عز و جل من الأعمال .

فانظروا معاشر المسلمين في قواعد الدين فإِنَّ فيها الحقُّ المبينُ ، و الدليلُ المستبينُ ، فإِنَّ مَوَادَّةَ المشركين واحدة من منهياته عز و جل ، و تراه [316] يعلق بها هدم الإيمان ، فإن النفي في أول الآية أو النهي على أحد الوجهين أي ليس من صفات المؤمنين ، أي من كان مؤمناً لا تجده يُوَادَّ المشركين أصلاً ، و إن من وَادَّهُمْ فقد ألقى بإيمانه ، و نأى عن الحقِّ مكاناً قصياً ، و زاغ عن الصراط المستقيم .

(1) المجادلة : 22 .

٣٦٧ / ٤٣٨