العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٧١أو كما قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - ، فإقامة الحدود لا تنافي الفوز للمحدود ، فإن أحكام الله عز و جل لا تتبدل ، و حكمته لا تتغير ، لأن الذنوب لا تكون إلا من المكلفين ، و إن المغفرة لا تكون إلا للعاصين ، فلو لم توجد العصاة لم توجد المغفرة :" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ [319] لِّمَن تَابَ "(1) ، " وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "(2) ، " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا " (3) ، في أمثالهما من الآيات في الكتاب العزيز .
و على كل حال إنَّا مكلفون بإقامة حدود اللهِ _ عَزَّ و جَلَّ - في هذه الحياة الدنيا على عباد الله ؛ إن قارفوا مقتضها ، و إلا ضللنا إذا و ما كُنَّا من المهتدين ، لا يقال إن أولياء ا لله لا يعصون فيحدون ، بل نقول كل ما يقع في الكون لحكمة ، و ليس في شيء من ذلك عبث ، و كل أفعاله تعالى تقع على مقتضى حكمته عَزَّ وعلا ، و للدنيا أحكام تخالف أحكام الآخرة .
انظر مَنْ هم المستغفرون، و من هم المغفور لهم، و أين مصيرهم، و الدنيا دار عمل، و الآخرة دار جزاء، فهما ضَرَّتَانِ مختلفتا الأحكام.
وإن التوب يغسل العبد من الذنب، و إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، و الله أسرع لقبول توبة العبد من السيل في إنحداره من أعلى إلى أسفل.
ولقد قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -:" وَ اللهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بنتُ مُحَمِّدٍ لَقََطَعَ مُحَمِّدٌ يَدَّهَا "(4) و هي - صانها الله و عَزَّهَا- حاشاها عن السرقة، و لكن مَثَّلَ بها رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – من حيث أنها عزيزة عنده – رضي الله عنها - .
(1) ـ طه: 82.
(2) - البقرة: 160.
(3) - الزمر: 53.
(4) - سبق تخريجه .