العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٧٥حجة واضحة عضت معها على أصابع الندم حتى
قامت في وجهها تلك الحجة الفاجرة ، و الصفقة الخاسرة ، فحلفت لها أنها الجوأب بالجيم بدل الحاء المهملة ، و المغرور من غررتموه .
والعجب أن مثل هذا الأمر يقع من رجال شاهدوا الوحي ، وعاصروا النبوة ، و استضاءوا بنورها ، و عرفوا في العالم بشرفها ، و ينسون ذلك كله ، حتى تدعوهم النفوس المغرورة إلى خلق أكاذيب تأخذ بهم الأهواء إلى أن يجنحوا إليها .
فيا للأسف على مثل هؤلاء الرجال ، الذين عاشوا تحت ظل النبوة ، و رأوا و سمعوا ، و إن ذلك لعظيم في الدِّين يقدم عليه رجال مؤمنون ، فإنا لله و إنا إليه راجعون ، فلا بد من الباطل من تأثير :
مَصَائِبُ شَتَّى جُمِعَتْ فِي مُصِيبَةٍ وَ لَمْ تَكْفِهَا حَتَّى تَلَتْهَا مَصَائِبُ(1)
إِنَّ أمة شاهدت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – و مشت تحت رايته ، وَ تَنَوَّرَتْ بأنوار شريعته ، تقترف هذه الجرائم الكبرى في سبيل رئاسة دنيوية ، و أغراض ما هي إلا خيالات تترآئ كالسراب في القِيعَةِ(2) ، والظل الزائل بسرعة ، إن النفوس المغترة ترتكب عظائم الأمور و لا تبالي .
و لا ريب فإِنَّ أحوال الصحابة [323] تعطي الناس دروساً ، و تكون أساساً يحتذيه الآتي بعدهم ، و يحتج به من تعلق بالحقَّ ، و من نزلت عليه النوازل البشرية ، فليستعرض أحوال الصحابة يجد معهم كل ما يقابله في عهده ، و ليعتبر العاقل بالجاهل ، و ليكن مع الحقِّ إِنْ رأى الباطل ، فإنه ليس من المستحيل انتحال المصلح أحوال مَنْ طَلَحَ ، و كذا العكس .
(1) -لم أستطع تخريجه
(2) - القيعة : جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام (القاموس المحيط / 757 ) مادة قاع