العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩ثم ظهرت بعد ذلك أناس أشار إليهم – رحمه الله– بقوله : " وَظَهَرَتْ مِنْ بَعْدِ ذَا أُنَاس .... " البيت ، اْلتَبَسَتْ عليهم الأمور ، وجَهِلُوا [325] الأصول ، و لم تَصِلْ إلى إدراك الحقائق منهم العقول ، و رأوا أن هؤلاء كلهم صحابة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - ، و كلهم أهل فضل وعلم ، و الرسول – عليه الصلاة والسلام – يقول فيهم" أَصْحَابِي أَصْحَابِي " ، " و إِنَّهُمْ كالنَّجُوم بِأَيِهِّمْ اْقتَدَيْتُمْ اْهتَدَيْتُمْ "(1) في أمثالها من الأحاديث الدالة على فضلهم ، و علو مقامهم ، وكيف تصدر منهم هذه الأفعال المخالفة لمقتضى مقامهم ، و كيف تضاف إليهم تلك الأعمال ، وقد عَمَّهُمْ مَدْحُ الكتاب و السنة ، فعظمت عليهم بذلك المحنة ، و اختلط عليهم الحال ، حتى أن بعضهم يعتقد لهم العصمة ، و يرى مقامهم أجل من أن يتكلم فيه أحدٌ مهما كان .
فلم يُفَرِّقُوا بين الصحيح و السقيم ، و المُعْوَجِّ والمستقيم ، و لم يقدروا على فصل الخطاب في تلك القضايا ، و لم يزالوا في لجة تلك البلية ، حتى اعتمدوا على أنهم كلهم أولياء محقون ، و أتقياء مجتهدون ، و لا سلف لهم على هذا حتى يقلدوهم فيه ، ويعتمدون على ما جاء عنهم فيه .
فعلى كل حال إنْ مَنْ وَفَّى ببيعته ، وقام بمقتضى واجب دينه و شريعته كان ولياً لم تتغير حاله ، و لم تُرْفَضْ أعماله ، و أما مَنْ فَعَلَ ما حُجِرَ عليه وَجَبَ أن يُنْزَلَ منزلته التي أنزل نفسه فيها ، و يعامل معاملة المقترف حتى يتوب ، فإِنَّ الحقَّ أكبر من كل كبير ، و أوجب أن يتبع ، و لا عصمة إلا للأنبياء – عليهم الصلاة و السلام - .
وعلى كل من اقترف مأثماً أن يرجع و يتوب إلى الله مما أتاه ، و إلاَّ فهو كغيره ، و لا فرق من جهة الحقِّ ، و الصحابي إذا أجرم فهو كغيره بحكم جرمه لا يخصص بشيء دون سواه.
(1) - تقدم تخريجه