العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٨١و لا يخفى أَنَّ الناس إِمَّا مُحِقٌّ و إِمَّا مُبْطِلٌ ، و لا يجوز أن يكون المختلفان كلاهما مُحِقَيْنِ ، بل من لازم الأمر المعقول أن المتقاتلين يلزم أن يكون أحدهما ظالماً ، و إن اختفى حاله و تستر بالشبهة التي يخلقها لأغراضه ، فيصورها للعقول في استنهاضه ، و يمشي عليها متظاهرا بالحقِّ ، و متعلقاً بالعدالة ، و لكل ثائرة حجاج ، و لكل قائلة منهاج ، و ما كل ما يقوله الخصوم على أضدادهم يَصِحُّ .
إن حكم المقترف للذنب أن يتبرأ منه ؛ لأجل ذلك الفعل الصادر منه ، فإن هذا هو الواجب علينا في حقه ، ما كان في دار التكليف ، و لسنا مكلفين بما غاب عَنَّا ، فإن الغيب لله عز و جل ، فلو فرضنا أنا تولينا أحداً بما ظَهَرَ لَنَا منه ، وهو في الغيب عدو الحقَّ تجب البراءة منه [327] فلسنا ملومين على ولايتنا له ، لعدم علمنا بما هو عليه ، فإن ذلك التكليف بما لا يطاق ، و حاشا لله أن يكلف أحداً بما لا يطيق .
و لأنه يعلم مقاصد الناس ، و ما انطوت عليه نياتهم ، ولو فعل لكان ذلك عدلاً منه ، لأنه السلطان الحقيقي الذي منه المبدأ و إليه الرجعى ، له ما ليس لغيره عز و جل ، و العبودية المطلقة لِمَنْ عَدَاهُ ، و إن رغم أنفه ، فإن الله تعالى تَفَضَّلَ على عباده أن لا يكلفهم بما لا يطيقون :-" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا "(1) ، " رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ "(2) ، فهذه و أمثالها تُصَرِحُ بِأَنَّ الله لا يُكَلِّفُ نفساً ما لا تطيق ، و واجب الحياة يجب لا بُدَّ منه ، وإن ثَقُلَ على النفس ، فإن التكليف أصله إلزام ما فيه كُلْفَةٌ ومشقة على العبد .
(1) البقرة : 286 .
(2) البقرة : 286 .