العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٢وإن أعمال الآخرة تتفرع على الأعمال الدنيوية ، فمن وَفَّّّى بواجبه في هذه الحياة الدنيا وجد ثمرة ذلك الوفاء يانعة مشتهاة حلوة ، و إلا وجدها مرة تَغُصُّ بصاحبها و العياذ بالله ، و ما جعل الله في خلقه باطلاً ، و لا في حكمه عَبَثاً ، بل كلها لحكمة يعقلها أناس و يجهلها آخرون .
و جعل الله للناس في أنفسهم براهين ، و دلائل على حكمته ، و معالم و صور دالة على بديع صنعته ، و ربما صَحَّتْ الأجسام بالعلل ، و ربما اهتدى العاقل بتلك الحوادث ، فبعدما كان ضالاً فاسقاً ظالماً جائراً إنكشف له بنور الله برهان يعلم منه صدق القصد فيما أمر الله و نهى ، فينزجر عن غَيِّهِ ، و يرتدع عن قصده .
و كم من عبد انصلح بكلمة سمعها من واعظ ، أو تلقاها من حاكم يتوعد [328] بها من شاء الله، فأصبح هذا رهين إشارتها ، و أسير مفهومها و عبارتها ، و كم من مجلود على خمرٍ ، أو محدودٍ على عُهْرٍ ، أو مقطوع على انتهاب ، و نحو ذلك أصبح يُفَكِّرُ في قدرة مخلوق على مخلوق مثله ، فكيف بقدرة مالك الأمر الذي لا مناص عن أمره ، ولا خلاص عن قهره ، فتنصلح بذلك أحواله ، و يرجع إليه رشده ، فيرعوي عن جهله ، و يدين لله بطاعته ، فيدرك بذلك مناهج الصالحين ، و يرقى عند [ الله ] إلى أعلى عليين .
و حيث أن الولاية و البراءة فرضان افترضهما لله على عباده ، وعَيَّنَ محلهما ، فجعل المتقاتلين معاً في الولاية لا يَصِحُّ ؛ لأنَّ " قِتَالُ المُسْلِمَ كُفْرٌ ، وسَبَابُهْ فُسُوقٌ " (1)و معاداته حرام شرعاً ؛ لأنه لا بد من أين يكون أحد المتقاتلين باغياً على الآخر ، و إذا كان كذلك فليس من الحق في شيء جعل الباغي في منزلة المحق :- " أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ " (2)
و إن قومنا على هذا طيلة تلك القرون التي مضت ، فَيَتَرَضُّونَ عن الباغي و عن المَبْغِيِّ عليه ، و إنها مشكلة دينية تهتز لها أركان الإيمان .
(1) تقدم تخريجه
(2) القلم : 35