العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤و ما أنزل الله الشريعة إلا لإكرام المُحِقِّ مهما كان ، و إهانة الُمبْطِلِ أياً كان ، لأَنَّ ولاية المُحِقِّ غير البراءة من أهل الفسق ، بل هما حكمان مختلفان ، فقد أمر الله - عَزَّ وعلا - بالبراءة [330] من أهل الفسق ، و أوجب ولاية أهل الحقِّ ، فليس لأحد أن يُغَيِّرَ حكم الله في خلقه ، فهو الحاكم الحقيقي ، و الشارع للدِّين على رغم الخلق المتدينين .
و قد قال رسول الله - صلى الله عليه و آله وسلم - :" أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ " (1)، فمن اقترف موجب البراءة وجب التبرئ منه ، و كذلك العكس .
و لا يَصِحُّ أن يوضع أحد الحكمين في موضع الآخر ، و لا أن يجعلا في محلٍ واحدٍ ، لأَنَّ الأحكام تجري على مقتضى الأعمال ، و لا شك أن الحقَّ غير الباطل ، فالقتال مع التأويل ذريعة لارتكاب ما يحاوله المتقاتلون .
فمعاوية يَتَذَرَّعُ إلى الناس بأَنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً ، و أنا أحق من يقوم على قاتله ، و هو يعلم أن قاتله المهاجرون و الأنصار ، و كان قتله عن تآمر و تشاور ، إذ المسلمون ذلك الوقت متوافرون متظاهرون عن يد قوية ، و كلمة موحدة ، و تحت راية الحقِّ ، و سبب القتل واضح غير مخفي ، وشهرة حصاره بلغت حد لا مجال لآل عثمان في القول بشأنها أبداً ، بل عليهم التسليم لأمر المسلمين ،و الرضى بأحكام أهل الحقِّ ، فإِنَّ معاوية نفسه علم ما يعدّ المسلمون على عثمان ، و كان واجبه أن يكون للحقِّ ، فإنه يعلو به في المسلمين مقاماً ، و هو ابن الزعيم أبي سفيان أحد سادات قريش في الجاهلية ، و ما زاده الإسلام إلا عِزَّاً على عزه ، و شرفاً على شرفه .
فِي فَتْحِ مَكَّة كَانَتْ دَارُهُ حَرَمَاً قَدْ أَمَّنَ اللهُ بَعْدَ البَيْتِ غَاشِيهَا
و لكن حظوظ الآخرة شيء غير حظوظ الدنيوية .
(1) أخرجه أبو داود في ( 40 –كتاب الآداب 20 – باب في تنزيل الناس منازلهم ) ص 684 رقم 4842 .