العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨و حب الرئاسة متغلغل في نفسه ، و له خبرة [335] تامة بحقيقة علي بن أبي طالب ، وببني هاشم أيضاً ، كخبرته بأنصار علي وهم العراقيون ، و بأنصاره أيضا ، و هم أهل الشام ، فكان الأمر بحيث طار إلى عنان السماء ، و بلغ الذروة العالية ، فانْشَقَّ النَّاس كما أراد ، وبلغ بانشقاقهم المراد ، و ما كان مبالياً بما يلاقي في سبيله هذا ، هان الخطب أم عظم .
فهذا حال معاوية ، و ذلك غرضه ، فهل بقية له عند المسلمين ولاية – و الحال هذا – فما للقوم يترضون عنه ، ويستغفرون له ، و الترضي ، و الترحم ، و الاستغفار ، هي ثمرة الولاية بنص الكتاب العزيز ، إلَّا عند مَنْ لا يَفْهَمُ .
وعلي بن أبي طالب إذ ذاك الإمام المطاع ، إذ كان صحيح الإمامة قبل أن يتركها يتلاعب بها الحكمان وَلَيَّاهُ أو عَزَلَاهُ ، وقد خدعوه بذلك خدعة ما لها مثيل في حديثهم ، و لا شبيه لها في دهاء الناس ، حيث جعل معاوية وهو أحد ولاة الإمام صفاً مقابل للإمام ، يباريه في إمامته ، فإِنَّ معاوية ما كان في الأصل إمام حتى يكون الخيار للمسلمين في أحد الإمامين المتخالفين ، حتى جعلوه بهذه المثابة .
و هنا وقع السكوت عن دعوى دم عثمان ، إذ لم يكن مقصوداً بالذات ، وقد رضي علي بخلعه ، فخلع بذلك نفسه ، و رمي بإمامته من عنقه إلى أبي موسى الأشعري و عمرو بن العاص يقضيان فيها ، و كان الواجب أن يقضي في القضية ذو الفقار فتركه في غمده يبكي على إمامته المصونة ، و يندب أوامر الكتاب والسنة ، وبقي علي يَتَرَجَّى إمامته تعود إليه من مسرحها النائي أو يعيدها إليه [336] الحكمان ، أو يعيدها إليه المسلمون الذين ولوّه إيَّاها أولاً ، معتقد أن المسلمين لا يرضون غيره ، و أن الأمر رهن إشارته .