العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩هيهات لقد حنق المسلمون من ذلك الحال الذي أنت وافقت عليه مُتَبِعاً للأشعث الذي يحاول أن يقضى عليك ، ثم حملوك على قتلهم فقتلتهم في ضحوة من النهار ، إن كان القتل وقع من غيرك بدسيسة من الجند فأنت القاتل ، و على كاهلك تلك الجريمة النكراء ، و الله سائلك عما وقع ، و لن يضيع دم امرئ مسلم في بقعة من الأرض إلا أنا نعتقد فيك أنك لا ترضى غير الحقِّ ، ألا تتبصر في أمورك فإِنَّ الدسائس تَدُبُّ وراءك ، ألا ترى أنه لما قتل النهروانيون رفضك الجند و لم يعود يقومون معك على عدوك ، و تخاذلوا عنك .
و أنت تعتقد أن المسلمين لا يريدون غيرك ، لقد خرجوا عنك مما رضيت به ، فعهد الله الذي وقع في القضية قد حال بينك و بين ما أُمَّلْتَ ، و ها ذاك أبو موسى الذي أرسلته حكماً قد هَرَبَ إلى مكة ، و لم يعد إليك بعدما قضى الأمر بينه و زميله عمرو بن العاص.
فمتى كان معاوية إماماً فيثبته عمرو بن العاص على ما كان ، أليس السيف يثبته أميراً ، و أنت ترى و تسمع ، و إذا ناقشت نفسك هل ترى بقيت لك في عنق أحد من المسلمين ، فالذين حملوك على التحكيم لم يبق عليهم شيء بعد رضاك ، و من نهاك عن التحكيم فمن باب أولى لا شيء عليه إذ نهاك .[337]
كان علي لا يرى اجتماع المسلمين على غيره ، و على كل حال اجتمعوا أو تَفَرَّقُوا فهو مرجعهم ، لكن بقي هنا أنه لم يرى أن الملك العضوض قد بدأت طلائعه ، و قد أخبر عنه رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم - فمتى يعود عليه المسلمون الذين يعتقد فيهم ذلك الاعتقاد ، و هو قد أعطى العهد والميثاق على التحكيم ، و المسلمون يرونه ضلالاً ، و على أنه أجبر عليه كان واجبه رفض الإمامة ، و لا يكون سبباً في عمل الباطل ، كان عليه أن يقول إن كنتم لا ترون إلا ذلك فاعذروني و إليكم أمركم ، اصنعوا ما شئتم ، فيكون له عذر صحيح لا يلومه عليه أحدٌ أبداً .