العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٣٩١

و السياسة للأمير من لوازم الإمارة مهما كانت ، فللدِّين سياسة كما للدُّنْيَا كذلك ، و المُوَفَّقُ مِن اللهِ قد يحتوى عليهما معاً ، و أي أمير لا سياسة له تلائم موقفه ، و تساير وقته ، فلا تقوم قناته مهما كانت ، و لا أشهر أموره كما يرجو ، و لا يبلغ في عدوه ما يأمل ، و السياسة هي القوة الفعالة قبل كل شيء ، و هي على الحقيقة الجيوش القتالة ، و لا يكفي الأمير أَنَّ يكون فقط على خطة الشريعة الظاهرة السطحية ، فإن العيون والجواسيس و نحوهم قوة تعضد الأمير طبعاً ، فالسياسة حتى في لحظ العين ، فانظر في تَوَعُّدِ النبي سليمان بن داود – عليهما السلام – للهدهد لمَّا غاب عنه بعض الوقت بغير علم ، تَوَعَّدَهُ ذلك التوعد الشديد ، و هَدَدَّهُ أبلغ التهديد ، و لو لم يخرج بحجة وافق عليها نبي الله لكان الهدهد في الخطر الكبير بسبب غير كبير ، لم يفعل فيه من الجرائم شيئاً في حق أحد من الخلق ، مع أنه لم [339] يكلف فلا حساب عليه و لا عقاب .

و إِنَّما كان ذلك من نبي الله سليمان بن داود من باب السياسة في مملكته الكبيرة ، التي خَوَّلَهُ الله إِيَّاها ، و علي بن أبي طالب لم تكن له سياسة ، و إنما كان يعتمد على قوة إيمانه ، و على نفسه ، و إِنَّ ظَنَّ أَنَّ لَهُ حظاً في السياسة فقد خانه ظنه ، و للسياسة أناس شُهِرُوا بها جاهليةً و إسلاماً ، و كان علي يعتمد على ما انطوى عليه ضميره ، و يفعل ما جرى به تعبيره ، و لا يمد نظره إلى شيء آخر ، فهو إمام العلماء في المشكلات الشرعية ، و إمام الفقهاء في الحضيرة الفقهية ، و إمام أهل الإيمان في الدوحة الإسلامية ، قد عُرِفَ زهده في الدنيا ، وخلوه من سائر الأهواء ، وبذلك اصطاده أنصاره ، فقادوه لأغراضهم ، و توصلوا به إلى ما تهوى أنفسهم .

٣٩١ / ٤٣٨