العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٩٢و من ذلك ثورته على أهل النهروان ، و إن كان هو لم يقصد قتلهم لأنه العلامة الوحيد يعلم حجتهم عليه ، و لكنهم قتلوا تحت رايته ، و هو بمرأى منهم و مسمع ، بل كان قتلهم بين يديه ، فلذلك قال المسلمون هو قاتلهم ، لأن فعل جيشه معدود عليه طبعاً ، و مسئول عنه شرعاً .
فإِنَّ أصحابه الدهاة المغرضين عَبَّرُوا له عن حقيقة أهل النهروان ، تعبيراً رآه أمراً ضرورياً تَمَََكَّنَ من ضميره ، فتقد في ذهنه اتقاداً ، أشعل نيران حماسه عليهم ، فهاجمهم جيشه مباغتة حتى قضى عليهم ، و هم في مأمنهم ، لم تبد منهم بعد بادية ، و لا ظهرت منهم حركة إلا ما شاع من تجمعهم و بيعتهم لعبدالله بن [340] وهب الراسبي ، وعلى ذلك ثارت عليهم عداوة خصومهم ، فقضت عليهم بدل أن تشد عضدهم ، و تناصرهم ، إذ ترى الحقَّ معهم .
وبذلك وقع علي في بلية أخرى أحاطت بمحيطه من كل جهة ، فلم تزل تهوي به في الحضيض الأسفل ، و كيف لا و دماء أربعة آلاف أَوَّاب على أقل الروايات في عددهم سفكت تحت رايته بغير جُرْمِ ما ، بل كانوا فروا من الباطل ، و من أهل الضلال المتلاعبين بالأمر على حساب الإمام كما أشرنا إلى ذلك في " نفحات الظهر " :
وَ المَرْءُ قَدْ يَغُرُهُ مُخْتَدِعاً لَهُ أَخُوهُ و بِهِ قَدْ يُبْتَلَى
وشأن الصدوق الاغترار بكل ما يسمع أو يرى ، لأَنَّه يرى النَّاس كما يرى نفسه ، و كم لهذا من شواهد بين أيدينا ، و منه قول الإمام السالمي – رحمه الله- : " إني لأنزه البخاري عن الكذب ، لكنَّهُ يأخذ عن أهل الأهواء ثقة بهم "(1) أي فلذالك روى في صحيحه ما ليس بصحيح ، كما ثبت عن أهل العلم .(2)
(1) شرح الجامع الصحيح (1/57)
(2) راجع الطوفان الجارف الجزء الثالث للشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي