العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٣٩٦فعلي بن أبي طالب يعتقد أَنَّه أحق بالأمر من كل أحد ؛ لذلك لما بويع أبو بكر – رضي الله عنه – تَبَرَّمَ مِنْ بيعته ، و تَلَكًّأَ عليه ، ولما بُويَعَ عمر بن الخطاب زادت حيرته في الأمر ، وطال استغرابه للواقع لهذا الحال ، و بقي في نفسه بعض التحرج لكنه زال بإيمانه ، و لما بُويَعَ عثمان أيقن أَنَّ النَّاس على غير ما هو عليه ، و أَنَّ ظَنَّهث لَمْ يَرَ عليه أحداً ، و سبب ذلك الظن الذي تغلغل في ذهنه رأى نفسه في مقدمة الصحابة ديناً ، و إيماناً ، و عِفَّةً ، و تقوى ، و عِلْماً ، و عَمَلاً ، و شجاعة ، و إقداماً ، و أَنَّه ابن عم الرسول – عليه الصلاة و السلام- ، و زوج البتول ، فهذه الخصال كلها تناجي علي بن أبي طالب باختصاص الإمامة عن غيره من بقية الصحابة الذين لم تكن لهم هذه الأحوال التي ذكرناها .
و ذلك بديهي في الأمم كلها ، أَنَّ ولد الأمير ، أو أخاه ، أو قريبه ، يرى نفسه الأحق بخلافة الرَّاحل ، و لا يعتقد غالباً أن الرأي للأمة التي سيكون الأمير عليها .
و هكذا علي كان يعتقد ، و لكن شاءت الأقدار غير ما كان يظن " إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا "(1) ، لذلك لمَاَّ بويع على المذكور صَعُبَ عليه إجراء الأمور في مجاريها ، فإنه لما بويع انتقض عليه طلحة و الزبير ، فعجز عن قهرهما بالسياسة حتى عَظُمَ الخطب أَشَدَّ ما يكون ، إلى أَنَّ لَجَأَ إلى القوة ، فكانت وقعة الجمل أعظم ما عرف من وقائع الإسلام ، و أدهى ما عرفه التاريخ ، ثم أردفتها [343] الثانية مثلها أو أعظم منها بصفين ، ولم يلبث أن رجعت أموره القهقري .
(1) يونس : 36 .