العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٠١و معنى أن الاجتهاد في الأصول التي أوجب الله عز و جل الدينونة بها موجب للهلاك فيها ، تارك للحقِّ ، مائل إلى الهوى ، فلذلك يهلك عندهم ؛ لأَنَّ الله لم يأذن للاجتهاد فيها بعدما حكم بها ، و كَلَّفَ العباد العمل بمقتضاها ، و إلا كان الشرع مُبْنِيَّا على آراء الناس ، فيجتهدون في كل شيء ، و لا يقول بهذا عاقل ، هذا هو التحقيق لحكم هذه القضية عند المسلمين .
و أين الاجتهاد في قضايا الصحابة ؟ ، و الحقُّ واضحٌ بَيِّنٌ مفروضٌ بالنص الصحيح ، و اللفظ الصريح ، و البراهين التي تُصَرِّحُ بحكم الباغي و المبغي عليه ، و قد قال الله عز وعلا في كتابه : " فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ "(1) فَبَيَّنَ أَنَّ الناس في حال اختلافهم باغٍ ومبغي عليه ، لا ثالث لهما ، و بَيَّنَ أَنَّ حكم الباغي يقاتل حتى يرجع عن بغيه ، فهل يَصِحُّ لأحدٍ تبديل هذا الحكم أو الاجتهاد فيه ؟ ، ولو صح لصَحَّ الاجتهاد في كل شيء كما قلنا .
و من أين لمعاوية بن أبي سفيان أن يقاتل علياً و هو إمامٌ بالإجماع ، و لم يقترف إثماً يوجب القيام عليه .
و كيف يكون الكل [347] مجتهدين و الأصل الذي عليه الإمام جلي نير ، كالشمس في رابعة النهار ، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ، بل المجتهد في الأمور الدينية متهور يجب عليه ترك الاجتهاد ، و التوب إلى الله مما اقترف و إِلَّا كان هالكاً .
وتجب البراءة منه لأجل ما ارتكب من الإثم الذي لا محتمل له فيه أبداً ، و لا يقبل المسلمون منه صرفاً و لا عدلاً ، إلا إذا تاب إلى الله من ذنبه ، و رجع إلى ربه متنصلاً ممتثلاً أمره ، فمن تاب إلى الله فإن الله يقبل التوبة و يعفو عن السيئات .
و عليه أن يقوم بتصويب المُحِقِّ ، و ينادي بباطله حتى يشتهر ذلك عنه عند المسلمين ، الذين علموا منه ذلك الذنب الكبير و الجرم الخطير .
(1) الحجرات : 9 .